22 يناير، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

المـراجعات الكبرى في فقه الدعـوة والدولة بين الأمس واليوم

بسم الله الرحمن الرحيم

أبو جرة سلطاني

ـ الباب الثالث: فذلكة المترفين بين دولة الدّعوة ودعوة الدولة

 

يحلو لبعض الجالسين على الأرائك الوثيرة أن يتنطّعوا بفقه مكتوب على الأوراق لا صلة له بالواقع، كحديث بعضهم عن التداول بلا تدافع، والتمكين بلا تمكين، والانتقال الديمقراطي بغيـر قوّة سياسيّة ضاغطة على التوازنات الكبرى التي تجعل الشريك السياسي يستشعـر خطـر اهتزاز عرش ملْكه وذهاب هيبته، كما يحلو لفريق آخـر من المسلمين التبجح في منتديات الفكـر النظـري بحديث عن سلطة القوّة المتمددة في فراغات ضعف المعارضة، ثم يستصحب معه تجارب الهند والسّند وما صنع الجابون.. وهذا باب ثالث وأخيـر لابدّ من سدّه قبل بسط أحاديث فقه الواقع بين الدعوة والدولة بعيدا عن فقه الأوراق.

إنه باب الحلم باستنساخ النمـوذج.

أقول بملء الفم وكامل الثقة، ومن موقع المعاينة والتجربة، إن النظام الجزائري يختلف عن جميع أنظمة العالم بأربع ميزات لا توجد في أيّ قطـر آخر سوى القطـر الجزائري.

ـ أن جيش التحـرير هو الذي أنشأ الدولة وليس السياسيين؛ فهي دولة رفاق السلاح وليست دولة الدعوة ولا دولة المؤسسات المنتخبة.

ـ وأن المؤسسات في منظومة الحكم تابعة للجهاز الإداري وليس العكس.

ـ وأن رأس الدولة هو رئيس جميع مؤسساتها من البلدية إلى السلطات الثلاث، إلى القطاعين الاقتصاديين العمومي والخاص، إلى السمعي البصري..

ـ وأن الشعب الجزائري ما زال يتوجّس من كل طارئ جديد فيراه تهديدا ممهّدا لمغامـرة دفع فاتورتها الثقيلة وحده لعدّة مرات، والجيل الواحد يخشى تكلفة دفع الفاتورة مرتين، لذلك تجد السلطة القائمة تتبادل رسائل المـدّ والجـزر مع غضبة الشعب وثورة الشارع دون أن يتجاوز الأمـر سقف المطالبة بإصلاحات اجتماعيّة تتحسّن بموجبها مستويات المعيشة ويجد فيها كل مواطن فرصة ليمارس فيها سياسة التنفيس عن المكبوتات ـ ولو داخل الفضاء الأزرق ـ مع المحافظة على مكاسبه الشخصية ومحاولة الارتقاء السريع في سلّم الوظيفة التي ينصح غيـره بعدم التشبث بها لأنها تساعد النظام القائم على تمديد عمـره وتجديد أثوابه وتبييض صورته لدى الرأي العام، والسبب هو ثقافة الخلاص الفردي التي صارت عقيدة لدى قطاعات واسعة من المواطنين وانتقلت عدواها إلى الأجيال الصاعدة.

خلاصة الفذلكة النظرية التي يتسلى بها كثيـر من أبناء التيار الإسلامي، حول العلاقة بين الدعوة والدولة وأيهما تسبق الأخـرى، تذكّـرنا بهرطقة البيضة والدّجاجة أيّهما خُلقت أولا، فهل خلق الله البيضة ثم فقصت فصارت دجاجة، أم خلق دجاجة أولا ثم باضت وحضنت وفقصت ؟؟.

ففي خضم هذا الجدل النظري لم نحافظ على دعوتنا ونلزم غرزنا فنكون دعاة، ولم ننخـرط في المشاركة بكل ما لها وما عليها فنصيـر رجال دولة، وفي كلتا الحالتين لن تخرجنا الدولة من سمْت دعوتنا ولن تنهانا الدعوة عن خدمة دولتنا، لكن المراوحة في المنزلة بين المنزلتين خطأ فادح بدّد رصيد دعوتنا فلم نعد، في نظـر الناس دعاة، ولم يعطنا فرصتنا الكافيّة لنقدم نماذج واضحة من النجاحات في التسييـر وحسن التحكم وفي خدمة المواطنين .. فنصبح في نظـر الرأي العام رجال دولة.

إن الحلم الذي يراود بعض الضاربين الوهم بعصا المراهنة على ثورة الشارع لاستنساخ نموذج سياسي من خارج النسق الجـزائري هو خطأ آخـر يرتكبه بعض المجازفين بما بقي من رصيد للدعوة في وعائنا العام وضرب لمصداقيّة من بقيّ مؤتمنا على بعض أسـرار الدولة، معتقدا أن الزمـن يعمل لصالح إنضاج مشروع كبير على نار هادئة، إذا لم يكن هذا الجيل مؤهّلا لتحضيـر طبختها السياسية، فإن من حق الجيل الصاعد أن يستفيد من أخطائنا، وتلك سنّة الله في خلقه، فبناء الدّعوة عمل تراكميّ والمساهمة في تقويّة أركان الدولة نشاط تضامنيّ، وليس الخطأ في أن تكون في العيـر أو في النفيـر، إنما الخطأ أن لا نراك في النفيـر ولكن عينك على العيـر مفتوحة لا يرِفّ لها جفـن، فأنت مفقود يوم الفـزع حاضـر يوم الطمـع.

الدرس الموالي: اجعلني على خـزائن الأرض: دعـوة أم دولة ؟؟ .

مقالات متشابهة