25 فبراير، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

أي مخرجات للتعليم بالجزائر؟

مراد ملاح
من المدرسة الجزائرية تخرجنا، فخورين بالانتماء ومعتزين بالوطن، حيث المناهج تربطك بمعاني الوطنية، مدرسة كنا نتوق للتوجه إليها، نتنفس الطباشير ونمارس الأشغال اليدوية، ونتبرع للهلال الأحمر الجزائري بطابع يزين كتبنا ودفاترنا، مدرسة فيها من المتعة والفائدة ما فيها، فالمسابقات لا تنتهي في جلّ العلوم والتخصصات، وبين المدارس والثانويات مدرسة أحببنا فيها معلمينا ولا نزال، نخجل أن نرفع رؤوسنا في حظرتهم، ونحس بالجرم إن ترقبتهم أعيننا ونحن نجول ونصول بحي أو شارع، والفخر كل الفخر أن تلتقي معلمك في صلاة الجمعة أو بسوق الخضار فتسلم عليه، على ذلك يتهامس المارون إنه الشيخ الفلاني، ويا لها من مكانة ووجاهة اجتماعية كانت لدى الأساتذة والمربين.
تتفق التيارات الفكرية والسياسية بالجزائر، على اختلاف مشاربها وإيديولوجياتها، أن المدرسة الجزائرية تعيش أزمة حقيقية، فوتيرة تغيير الكتب والمناهج بمدارسنا، أسرع من تدفق الإنترنت بسنغافورة، والعنف استشرى بشكل مهول حتى أضحى جزءا من يومياتنا، مشاهد العنف وحوادث القتل في حواظر علم وتربية، كانت بالأمس القريب مقدسة، آمنة ومطمئنة، حوادث تجعل كل من يسمع بها لا يملك إلا أن يترحّم على الجيل الأول من قامات الجزائر المُحبة للخير والغيورة على مصلحة الأجيال والوطن، فالفرق بين واقع مدرستنا بين الأمس واليوم، هو تماما كالفرق في الطرح والمستوى بين من أوكلت لهم مهمة قيادة القطاع بالأمس واليوم، فرق مؤلم، متعب ومحزن.
وممن يحفظ التاريخُ مواقفَهم، الأستاذ الدكتور مولود قاسم نايت بلقاسم، رحمه الله، وزير الأوقاف والتعليم الأصلي السابق، هذا المفكر الفذ والسياسي المحنك، صديق الرئيس الراحل هواري بومدين، في أحلك أيام القاهرة، والمُرافع الشهم عن قضايا الهوية وثوابت الأمة العربية، ومهندس ملتقيات الفكر الإسلامي، محاور ومناظر من الطراز الرفيع، اتسع فكره وقلبه ليحاور ميشيل حايك (قس لبنان السابق)، وموسى الصدر (مؤسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى)، والكثير من المستشرقين والمفكرين ورجال الدين، رجل شجاع احتج على إهانة الرئيس الفرنسي الأسبق، جيسكار ديستان، عندما صرح في عقر دارنا بمدينة العلم والعلماء: إن فرنسا التاريخية تحيي الجزائر الفتية، نتذكر هذا الرجل، ونحن نعيش هذه الأيام موجة عنف بمدارسنا، ونتذكر تصريحه الشهير بعد إلغاء التعليم الأصلي:
هذه وخذة وليست وحدة، ولا أجد أفضل من هذه الوخذة، وإنني أخاف أن لا تجدوا من يصلي عليكم إذا متوا، وستطلبون العون من دوفال.
إلغاء آنذاك كان بحجة توحيد التعليم، وهي جهود قادها مصطفى الأشرف، زميله في الحكومة، وهو نفسه من امتدح التعليم الأصلي قبل أن يستوزر، ويقود جهدا مضادا تحت غطاء إثراء النقاش في الميثاق الوطني، ولعل المقام ليس مقام تقييم هذه التجربة بقدر ما أنه كان تحوّلا رافقه غياب الإطار المرجعي والديني لأجيال عديدة، حتى صرنا نستورد الفتاوى من المشرق أكثر مما نستورد القمح من فرنسا.
إن الأمم التي ترنو للرقي والعيش في الواقع لا على هامش الحضارة، تهتم أساسا بتحديد مدخلات ومخرجات التعليم، فالعملية التعليمية والتربوية لم تعد مجرد منظومة شحن وتفريغ للمعلومات والمعارف، بل أضحت مشروعا استثماريا بكل ما تحمله الكلمة من دلالة، يحقق أرباحا وفوائد، له خطة واضحة المعالم، ينكب على إعداده النخبة وصفوة المجتمع من المختصين والمفكرين، لضمان مخرجات تلبي احتياج الأمم وتغذي اقتصادياتها ومختلف احتياجاتها من عنصر بشري مؤهل ومحترف يواجه التحديات ويحقق التنمية، إلا في الجزائر حيث المدرسة خارج اهتمامات الدولة والأحزاب السياسية، وكل من له مسؤولية أخلاقية تجاه المدرسة، وساحة صراع وتصفية حسابات، وتحقيق مكتسبات، أضر كثيرا بسمعة المدرسة الجزائرية وخريجيها.
ولأن العواطف عواصف، ذرونا نتحلى بالموضوعية، ونحاول قياس نتائج التعليم التي تحققها مؤسساتنا التعليمية في ظل استوزار الدكتورة، نورية بن غبريط رمعون، المديرة السابقة للمركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية لوهران، منذ ماي 2015 ، استوزارا نتمنى أن ينكب اليوم على دراسة أنثربولوجية للعنف المتصاعد بمدارسنا، وتدهور الكفاءة وضعف المخرجات، فقط بتأمل بسيط للمستويات الثلاثة لهذا القياس من حيث المستوى البشري والمستوى المعرفي والمستوى المالي، كما أشار لذلك الدكتور حديد يوسف، من جامعة “محمد الصديق بن يحيى” بجيجل، في العدد السادس والعشرين من مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، عندما تحدث عن ظاهرة أخرى لا تقل خطورة هي ظاهرة الهدر المدرسي.
فعلى المستوى البشري عدد حاملي الشهادات بالجزائر تضاعف بطريقة لوغاريتمية، على حساب المستوى المعرفي والمالي، وإذا أسقطنا الجانب المالي في بلدنا البترولي حيث لا لغة تعلو فوق لغة الخشب، عفوا فوق لغة الأرقام، وتوقفنا عند كميات المعارف المكتسبة لدى خريجي مدارسنا وجامعاتنا اليوم، سنصاب بصدمة لا تقل هولا وأثرا عن صدمة خروجنا المبكر من كأس إفريقيا، مع فارق الاهتمام الشعبي والرسمي بهول المصيبتين، وحتى نكون مسؤولين ووطنيين، وجب علينا اليوم كل من موقعه كجزائريين، التنبيه إلى ما وصلت إليه المدرسة الجزائرية من واقع مرير، سيؤزم مشاكلنا السياسية والاقتصادية على المدى القريب قبل المتوسط والبعيد.
يقول مهاتير محمد، الظاهرة الاقتصادية والفكرية: أهم درس تعلمته من تجربتي في الحكم، أن مشاكل الدول لا تنتهي، لكن علاجها جميعا يبدأ من التعليم…فكفاءة التعليم عندنا أصبحت قاب قوسين أو أدنى، بإسقاط المهمة التربوية من مناهجنا ورسالة معلمينا، وكذا تحول العملية التعلمية إلى تعليب بعد حشو، أوجد لنا جيلا ضعيف الارتباط بمقومات شخصيته، جاهلا بتاريخه، وقليل الاطلاع على غير تخصصه.
إن الخسارة كل الخسارة، ونحن في زمن الثورة الصناعية الرابعة، أن نتغافل ونتجاهل واقع المدرسة الجزائرية، ونركن إلى التعامل معها كما نتعامل مع مشاكلنا المستعصية، بالهروب إلى الأمام، وإصدار بيانات الشجب والرفض على موجة العنف، والتذكير بأن الجزائر قوية بأبنائها وتاريخها، وعراقة مدارسها، ويالها من جمل حفظناها وسئمنا الاستماع إليها.
إذن هو ذلك الواقع الجديد، المدرسة الجزائرية، تحصي حوادث العنف والقتل والطعن، لتتحول إلى أخبار تتصدر الجرائد ووسائل الإعلام، عنف يُدلل على ضعف مخرجات التعليم عندنا، عنف ينذر بخطر قادم وجيل جديد لا قدر الله، يمارس العنف في عز التعلم واكتساب المعرفة، عنف ستكون عواقبه وخيمة، لن ينفع معها آنذاك أغنية رابح درياسة سميني شرقي سميني غربي وأنا نقولك أنا جزائري، عنف لن يوقفه إشهار “شكون احنا”، ولا حملة تحسيس عبر الإذاعة بمشاركة مختصين يرتلون علينا خطبا عصماء وإحصائيات تصم الآذان.
ولأن أول العلاج التشخيص، واستشعار الحاجة إلى وجوب التصحيح، تجدر الإشارة إلى أن تدني المخرجات التعلمية بالجزائر ليس المكون الوحيد للمشهد الدراسي، فنظامنا التعليمي اليوم يعاني سوء إدارة، وانخفاض كفاءة واضح، وتخلفا عن مواكبة التغيرات التي تحدث في المجتمع، حيث تأثير العوامل الخارجية صار أكبر من تأثير الأسرة والمدرسة، وعجزا عن استيعاب أبنائنا وبناتنا وتمكينهم علميا وخلقيا.
وحتى أختم بهمسة بناء وتشييد، أدَعي أن التعليم بالجزائر هو من يحتاج إلى توافق وطني ومراجعة شاملة، تتلاحق ما بقي من جيل توزع بين مدارس، إما مفرغة من محتواها، أو مدارس تحول الذهاب إليها مرادفا للخوف والقلق لدى الأولياء، فبين إضراب يلوح، ووزيرة تتوعد، وتيارات متشاكسة بين الفرانكفونية والفرانكوفيلية، والوطنية والإسلامية، جيل سيذكر التاريخ أن منه من خطف من أمام باب المدرسة، ومنه من طُعن داخل المدرسة، ومنه من قتل على أعتابها، ومنهم من نجح وتألق ووصل إلى العالمية من المدرسة الجزائرية، التي تستجدي كل ذي ضمير سرعة الهَبَة لإنقاذها، قبل أن نندم ذات يوم، فالمسؤولية وطنية تاريخية ومشتركة.

مقالات متشابهة