26 فبراير، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

العلامة جمال الدين عطية نموذج التجديد الفكري المعاصر في مدرسة البناء الحضاري

بقلم: محمد مصطفى حابس: جنيف/ سويسرا

 

يعيش العظماء والعلماء والمجددون والأئمة الأعلام للناس والأمم، يرتفعون إلى ثريا المطالب ويرتقون إلى معالي الغايات، يكبر فكرهم فينير الدروب، وتعظم قلوبهم فيحبهم الخلق، وتعم أفضالهم فتشمل الجميع، وتلك من نعم الله على عباده الأصفياء الأنقياء الأتقياء.. بهذه المقدمة لا أريد أن أزيد في القول عما قيل وكتب هذا الأسبوع عن رحيل العلامة الدكتور جمال الدين عطية – رحمه الله – عن عمر ناهز 88 سنة، فمعظم ما جادت به قريحة البعض في لحظة صفاء مع الذات، ومن خارج جماعة الإخوان المسلمين المصرية التي انتمى إليها تقريبا منذ تأسيسها، حيث تعرف فيها على بعض رموزها من رعيلها الأول، ثم انسحب مثل الشيخ الغزالي وغيره، كما اعتقل ضمن اعتقالات الإخوان الأولى لمدة سنتين ونصف بين عامي 1949-1952م في سجن مصر بالقلعة الذي تم هدمه فيما بعد، علما أن بعض الدارسين يقولون إنّه لم يعط هذه المرحلة من حياته حقها من الكتابة بل تغاضى عنها، ربما ليحتسبها عند الله من الابتلاءات التي تمحص الرجال، لأن بعض الدعاة يعتبرون أن السجن نيشانا يضاف لسيرتهم الذاتية ..

  • جمال الدين عطية.. جمال وتنوع في الدين واحترافية في البناء وغزارة في العطاء

نعم، تيمّنا بما كتب عن الإمام حسن البنا، منذ عقود، بعض أصحابه، واصفا إياه بحسن البناء، حق لي أن أردد ما قاله مؤخرا، أحد مفكرينا ” أن جمال الدين عطية، جمال واحترافية في البناء وغزارة وتنوع في العطاء”، بل حق لي كمتابع لسيرته، أن أقول إنّ ما كتب عن المرحوم هو تعبير صادق عما كنت أعتقد به منذ سنوات عن هذا الرجل الرباني والعالم الورع، خاصة ما سمعته من أولئك الذين تعرفوا عليه في أوروبا كالعاصمة البلجيكية “بروكسل” و”اللكسمبرغ”، وحتى من أولئك الذين تعرفوا عليه أو على سيرته في نهاية دراسة الدكتوراه في جامعة جنيف السويسرية في ستينيات القرن الماضي أو بعدها عند التحضير لأول بنك إسلامي عام 1974م، وهو بيت التمويل الكويتي، وبعده لما ساهم في تأسيس أول بنك إسلامي في الدنمارك، وقد كتب عن تجاربه في ميدان البنوك الإسلامية، في سلسلة “كتاب الأمة”.

 

  • الذين نعوا العلامة القانوني الفقيه ومؤسس “المسلم المعاصر”

 

الذين نعوا اليوم، العلامة القانوني الفقيه، الدكتور جمال الدين عطية (1928 – 2017)، مؤسس أول مشروع فكري إسلامي تجديدي، هو مجلة “المسلم المعاصر” المحكمة (1974 -2017) التي كانت زادًا فكريًا وفقهيًا لنا في رحلة البحث عن المعرفة إلى يوم الناس هذا. كتب في افتتاحية العدد الأول، أنها “مجلة الاجتهاد، تنطلق من ضرورة الاجتهاد، وتتخذه طريقًا فكريًّا، ولا تكتفي بالبحث في ضرورة فتح باب الاجتهاد في فروع الفقه، بل تتعداه إلى بحوث الاجتهاد في أصول الفقه”.. الذين نعوا الدكتور عطية وصفوه بالرجل العظيم والعالم والرباني والمنظّر والمفكر، والداعية المخلص و صاحب المناهج.. الرجل جدّد في منهج التغيير والفقه والأصول، بل حتى في علوم الدنيا أيضا، ليس فقط على طريقة المفكرين الكبار القلائل، بل النوادر الذين جمعوا بين الثقافة الغربية وعلومها وثقافة الإسلام وشمولها وتفاصيلها، وهذا كله صحيح على حد تعبير أحد أساتذتنا الذين تعرفوا عليه عن قرب..

  • من مرحلة جهادية فكرية إلى مشروعات إصلاحية فكرية وتجديدية شرعية

 

كتب عنه الدكتور وصفي عاشور أبو زيد، شهادة بليغة منها قوله: “لكل عالم أو مفكر مراحل فكرية وعلمية تمثل قمة نضجه وعطائه، وتمثل مرحلة من هذه المراحل قمة المنحنى في النشاط العلمي والفكري والحركي؛ حيث يكون المنحنى قبلها منخفضا، وبعدها منخفضا أو يكاد يكون منعدما، أما أن تكون حياة العالم أو المفكر في تجدد وتجديد دائم ومستمر، وتنتقل من مرحلة جهادية فكرية إلى مشروعات إصلاحية فكرية وتجديدية شرعية فهذا ما لا نجده إلا عند القليل من مفكرينا وعلمائنا”، وأردف قائلا:” ويعد الأستاذ الدكتور جمال الدين عطية من هذا القليل الذي ينتقل من نجاح إلى نجاح، ومن مشروع تجديدي إلى مشروع مثله، ومن موسوعة شرعية إلى أخرى، ومن كتابات تجديدية في مجالات الإسلام المتنوعة إلى مشروعات عملية واقعية تنهض بالأمة وتجدد دنياها بدينها..”.

  • لقد اجتمع في الأستاذ عطية ما تفرق في غيره من المثقفين والمفكرين والمصلحين

 

والعبد لله يعترف بتقصيره، علما أني لم أقرأ كل مؤلفاته إلا وظيفيا في مناسبات معينة، ولم ألتق بالدكتور عطية إلا مرات معدودات في ثمانينيات القرن الماضي كطالب علم، على حد تعبير أهل الخليج، والفضل في ذلك يعود لله ولأستاذنا الكبير عبد الوهاب حمودة، الأمين العام لوزارة الشؤون الدينية متعه الله بالصحة والعافية، حيث كان ينزل فيها الدكتور جمال الدين عطية، ضيفا مبجلا على الجزائر مع كوكبة من العلماء بمناسبة ملتقيات الفكر الإسلامي، آخرها ملتقى إسلامية المعرفة بجامعة قسنطينة، من ذلك الزمان لم ألتق به إلا من خلال أخبار نشاطه العلمي في المعهد العالمي للفكر الإسلامي، أو من خلال مجلة “المسلم المعاصر” أمد الله في عمرها.. ونحن نتعلم منها ومن مؤسسها دائما، الأمر الذي جعل أحد أساتذتنا يقول لنا يوما، وتحديد بأسبوع فقط قبل وفاته، “لقد اجتمع في الأستاذ الدكتور جمال الدين عطية ما تفرق في غيره من المثقفين والمفكرين والمصلحين في مشارق العالم ومغاربها. لقد استطاع بعبقريته الفذة أن يتجاوز الجماعة التي تربى فيها، أي جماعة الإخوان المسلمين المصرية، بل كان همه خدمة العلم وطلبة العلم”، فهذا كلام لا يجانب الصواب أبدا، لقد شاعت أفكاره في أدغال آسيا وإفريقيا وفي كافة القارات والجامعات، وأصبح لمدرسته تلاميذ ومعجبون حتى من غير العرب في أوروبا، إلا دليلا عن بعد نظره الثاقب، وخاصة منذ انتسابه وتسييره للمعهد العالمي للفكر الإسلامي في مصر وواشنطن رفقة زميله المرحوم العراقي طه جابر العلواني (1935 – 2016)، الذي غادر هو أيضا دنيا الناس منذ أقل من سنة تقريبا، وخصصنا له كلمة بالمناسبة، تناقلتها بعض المنابر الإعلامية.

  • إتقانه اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية رغم لكنته الخلقية في لسانه

 

لقد كتب عن رحيله بعض تلاميذه وأحبابه، عن لقاءاتهم به في مدرجات الجامعة في ليبيا التي درّس بها لسنوات، وقطر والكويت وغيرها، منبهرين بثقافته الموسوعية المتنوعة والمتكاملة مع إتقانه اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية، رغم لكنته الخلقية في لسانه في النطق ببعض الحروف العربية، وترجم كما ترجمت له بعض كتبه…

تأثر الدكتور جمال عطية في أثناء دراسته الحقوق بالشيخ عبد الوهاب خلاف، والشيخ محمد أبي زهرة، وبعض القانونيين، مثل حامد زكي وسامي جنينة. وفي خطٍّ موازٍ لهذا في الساحة الإسلامية، كانت له هناك اتصالات مع الشيخ محب الدين الخطيب، وعلي الطنطاوي، ومحمد أبو ريدة، وعباس العقاد، والدكتور سعيد رمضان، والد المفكر السويسري، طارق رمضان، وغيرهم..

  • عمل الدكتور جمال الدين عطية في مجالات عديدة عبر دول العالم

 

عمل الدكتور جمال الدين عطية في مجالات عديدة منها: ممارسته للمحاماة في مصر والكويت، وتوليه أمينا عاما للموسوعة الفقهية بوزارة الأوقاف بالكويت، ورئيس تحرير مجلة المسلم المعاصر، ورئيس تنفيذي للمصرف الإسلامي الدولي في لوكسمبورج (بيت التمويل الإسلامي العالمي حاليًا)، ومستشار قانوني وشرعي للمعاملات المالية والمصرفية (مكتب خاص في لوكسمبورج)، ومستشار أكاديمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي (واشنطن)، ومدير مكتبه بالقاهرة.

وعمل الدكتور عطية أستاذا زائرًا بالجامعة الليبية، وزائرًا بكلية الشريعة جامعة قطر، ثم عمل بالإضافة لعضويته في جمعيات ونقابات ومراكز عالمية مثل: الجمعيات العلمية والمهنية، ونقابة المحامين القاهرة، والجمعية الدولية للقانونيين الديمقراطيين بروكسل، ونقابة المحامين الدولية لندن، والجمعية الدولية للمحامين الشبان ببروكسل، ومركز السلام العالمي من خلال القانون بواشنطن، وعضوية مجلس أمناء معهد تاريخ العلوم العربية الإسلامية بفرانكفورت، وعضوية مجلس إدارة المجلس العالمي للبحوث الإسلامية بفادوتس- لختنشتاين، وعضوية المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

  • مؤلفاته وبحوثه تنبئ عن روح علمية تجديدية ونظرة شاملة عميقة وتناول فكري رصين

 

للدكتور جمال عطية عدة مؤلفات وبحوث مهمة تنبئ عن روح علمية تجديدية، ونظرة شاملة عميقة، وتناول فكري رصين، من أبرزها: تراث الفقه الإسلامي ومنهج الإفادة منه على الصعيدين الإسلامي والعالمي، والتنظير الفقهي، والنظرية العامة للشريعة الإسلامية، ونحو تفعيل مقاصد الشريعة، وعلم أصول الفقه والعلوم الاجتماعية، والاستفادة من مناهج العلوم الشرعية في العلوم الإنسانية، والأولويات الشرعية- نظامها وتطبيقاتها، والعلاقة بين الشريعة والقانون، ونحو فلسفة إسلامية للعلوم، وسنن الله في الآفاق والأنفس، وغيرها كثير..

ومع هذه الرزية والمصاب الجلل، لا يسعنا إلا أن نرفع أكف الضراعة، داعين الله أن يتغمده برحمته الواسعة، ويلحقه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ويسكنه الفردوس الأعلى من جنته، ويلهم ذويه وتلامذته في العالم الصبر والسلوان، ويعينهم على المضي قدما على درب التجديد الفكري والثقافي والتربوي والاجتماعي والحضاري المتوازن، الذي كرس له حياته كلها، الفكرية منها والتربوية والاجتماعية، ويبارك فيما تركه من إرث فكري وتربوي كبير، ويجعله في ميزان حسناته، ويجازيه عنه خير الجزاء..واللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، ووفقنا للمضي على طريق الرشادة والبصارة والحكمة التي كان ينشدها ويعمل لها باستمرار.. وإنا لله إنا إليه راجعون.

 

هوامش :

 

almuslimalmuaser.org/ مجلة المسلم المعاصر :

 

arabic.iiit.org/ المعهد العالمي للفكر الإسلامي:

 

مقالات متشابهة