27 فبراير، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

الجزء الثالث: الرأي الأغنية الجريحة شجن الهامش ؟

ياسين بوغازي

شيء من التاريخ

نصف السبعينات الأول

لقد كان النصف الأول من عقد السبعينيات من القرن العشرين زاخرا بالكثير من التجليات الرايوية عن تلك الأغنية شجن الهامش التي غدت في ظلال هذا العقد أكثر وضوحا وغدا صوتها أكثر حضورا مما لم يدع مجالا لركنه في الهامش كما سبق، فعقد السبعينيات أرخ فيما بعد إلى بداية أسطورة أغنية الراي، كما انه في هذا العقد سمعت أروع الأغاني والانتاجات الغنائية التي نظرت لاحقا للراي برمته فبأبرع الأسماء الرايوية الصاعدة حينها كانت البدايات استثنائية فيما كانت أهم الانشغالات الموسيقية المصيرية على موسيقي الراي وإيقاعها و نفسها الصاخب قد انطلقت لأن ما سبق السبعينيات كانت أغنية رايوية   قد أخذت تتخلى رويدا رويدا عن النمط الغنائي البدوي، وعن خصائصه وإيقاعه الطبلة والقصبة ورتابة أخرى في الإلقاء الشعري وأخذت تميل رويدا رويدا نحو عوالم من الإيقاعات الجديدة على أثر آلات الساكسفون والجيثار الكهربائي والسنتيتيزار وتلك التي استعارها الراي من الموسيقي الغربية ووظفها.

وكانت أسماء بوطيبة الصغير ومسعود بلمو الأكثر ذكرا في تلك الحقبة ضمن عوالم الراي وفي المشتغلين فيه لما استدخلوه من إيقاعات موسيقي غريبة أعطت لأغنية الراي وهجا جديدا وإقبالا جماهيريا فاق التوقع. في الحقيقة كانت كل تلك الانشغالات ليست إلا الإضافة الثانية لما ابتدأته الشيخة الريمتي الآتية من عصر شيخات الراي من النساء والتي شكلت مسيرتها الممتدة من أواخر عشرينيات القرن العشرين إلى وفاتها في الألفين وستة نموذجا وكأنه ماركة مسجلة لضراوة الراي وصلابته و لتقلبات الأغنية الرايوية في جميع حالاتها المختلفة عبر العقود، فقد انتقلت الريمتي من البدوي إلى الراي إلى أشكال غنائية أخرى معاصرة، وهي التي كما يقال طوعت الشعر الملحون لكي يصير مستساغا ضمن إيقاعات أغنية رايوية غاضبة، وقد ولدت في مدينة سيدي بلعباس وتعتبر رائدة من رواد الراي الجزائري فيما ينسب الراي برمته إلى مسقط رأسها ضمن الفضاء الجغرافي الأكبر في الساحل الوهراني.

ونتجة لكل هذه الانشغالات على الكثير من المفاصل الموسيقية والأدائية والتجريبة اعتبر هذا العقد السبعيني من القرن العشرين بالفترة التي نضجت فيه الأغنية الرايوية، فبدت الأغنية وكأنها مكتمل بنيانها الموسيقي ولغتها، وأن جميع الأحلام التي سبقت عند الشيوخ الرواد عن أغنية مغايرة استخلصت من روح الملحون قد تحققت، أحلام أغنية وموسيقى متمردة وشعبية و أشياء أخرى وفي الآن نفسه.

فمنذ الانعطاف الأهم المميز لظهور أغنية الراي واستقلالها بذاتها كأغنية أخرى غير تلك البدوية منذ بدأت أحلام أغنية رايوية مغايرة في طريق الظهور، فلقد كان انعطافا عن الإيقاع البدوي وعن مقوماته الكلاسيكية اللحنية وعن أشكال أخرى كانت تميزه نحو نوع جديد من الغناء ضمن الأطر البدوية لكن بإيقات عصرية مختلفة قليلا وقد سمى الراي، وبدأت تلك الأحلام الأولى تراود الرايويين فعندما اشتد عضده الموسيقي بعد الثلاثة عقود التي سبقت في الستينيات والخمسينيات والأربعينيات من القرن العشرين استطاعت أغنية الراي أن تقف شامخة كأغنية متفردة منذ نهوضه الأول كأغنية مغايرة تماما عما كان سائدا ضمن الإيقاع البدوي.

ففي هذه العقود توالت جميع الأسماء التي أعلت أغنية الراي كما النجوم التي لا تطال في سماء الغناء والموسيقى، وتمكنت من الوقوف غنائيا عبر مختلف تجاربهم وانخراطاتهم الموسيقية والغنائية وكان ضمن هذه الأسماء والأصوات الأولى صوت بزغ مغايرا تماما في السنوات الأولى من منتصف عقد السبعينيات كأروع ما يكون الصوت، صوت كان لم يبلغ سن الرابعة عشر فكان في مقتبل العمر وهراني المسقط ومن الأحياء الشعبية الأكثر انغماسا في يوميات المدينة من حي الإسباني الوهراني.

بدأ هذا الصوت يحدث ضجيجا كبيرا في عوالم الراي الليلية وفي تلك الفضاءات الضيقة مما كان متاحا لهذه الأغنية أن تتواجد، كان اسمه خالد حاج إبراهيم وقد أنتج أولى أغانية التي أرخت فيما بعد للراي وأعطته تميزه الاستثنائي وكانت أغنيته الأشهر طريق الليسي أو الطريق إلى الثانوية عند ترجمتها للعربية وهي التي وضعته في طريق الراي والحقيقة أنها كانت أغنية استثنائية موازة مع وقتها صدورها أغنية غيرت دفة الراي ضربة واحدة في التناول والموسيقي والتمرد الذي خاضه فيما بعد ليصير وحيده الأوحد الذي بقي يردد في أغانيه التي ساهم فيه الكثيرون من الرايويين الرواد والذين قد أخفتهم الأيام لظروفهم القاسية فيما أبقت خالد حاج إبراهيم محميا، ثم أن قدر هذا الرايوي الوهراني غريب عجيب فعلى انخراطاته وشغبه أضحى ملك أغنية الراي دون منازع فقد قضى عمره إلا عشر في الراي وحده ؟ وشهد لخالد حاج إبراهيم رواد الراي الأوائل مند نعومة أظافره باستثنائية حنجرته وقوة صوته وقدرته على الانتقال من عتبات الغناء، ولأن أغنية الراي كانت وكأنها جسد يقبل بالجميع فقد كانت الأغاني والأشعار والألحان تغنى لهذا الجسد دون أية حسابات تجارية أو منفعية أو ملكية أدبية، فكانت تلك الأغاني تترك مع الوقت إلى أن تصير تراثا قائما بذاته، وجميع الرايويين يحتفون فقط بجمالية الصوت وقوته عندها يمكن للصوت الرايوي القادر على إيصال أحلام الراي وأنغامه، تمرده أن يتناول ما هو متاح موسيقيا وغنائيا من الجسد الرايوي دون حرج الاعتبارات الأخرى. ولعل الكثير مما أعلا خالد حاج إبراهيم في مجده الغنائي العالمي كان إسهاما لآخرين من الرايويين الرواد الوهرانيين الذين لم يذكرهم التاريخ ولا حتى الملك إلى أن أوقف أمام قضايا السرقات الموسيقية سنة الألفين وخمسة عشر لنكتشف أن أشهر ما غنى وأغنيته التي صنعت أمجاده كلها كانت من إبداع رايوي آخر أكله النسيان واسمه الشاب رابح وقد أخذ منه الكثير الكثير.

مقالات متشابهة