26 فبراير، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

فنّ صناعة الخصوم .. كيف تقصي بضمير

بقلم الأستاذ: حسين مغازي

 

في العام 1989، قال ألكسندر أرباتوف، المستشار الدبلوماسي للرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف:“سنسدي إليكم أسوأ أنواع الخدمات، سنحرمكم من وجود العدو ويقصد أمريكا وأوروبا”.

 

الأقوياء أكثر حاجة لوجود العدو، وأشد إحساساً بالشعور الملحّ بضرورة البحث عن الخصم الجيّد، الذي يليق بمستوى قوتهم، وأكثر إظهاراً لمعاني القوة المختزنة لديهم   وإبراز جوانبها المخفية، من أجل الوصول إلى مستوى النشوة المطلوبة من خلال تحقيق الانتصار، ما يجري على السّاحة السياسية بالجزائر لن يخرج عن هذا التوصيف الذي أصبح معبرا ضروريا لتحقيق أجندات سياسية تضمن بقاء مصالح تلك الجهة أو ذلك الحزب.

 

الحراك السياسي الحالي بين السلطة والمعارضة الذي استمر لسنوات شعرت فيه المعارضة بالحيف والظلم من قبل ما تعتبره ديكتاتورية النظام واحتكاره الطويل للسّاحة السياسية وإغراق المواطن في مشاكل وهموم دفعته للارتباط به والاستغناء التّام عن المعارضة، وهو ما أطلق علية السياسي بالجزائر بشراء السّلم الاجتماعي الذي اعتبرته المعارضة رشوة مقننة للشعب بغية امتصاص غضبه وشراء ذممه لصالح أجندات سياسية تخدم هذا النظام بشكل خاص، سواء كان دفع المعارضة مقنعا أم غير ذلك، فالأمر أيضا انتهى بانتصار النظام في إعداد مرحلة جديدة وحديثة للحياة السياسية ضمن بنود الدستور الجديد بما يتجاوز أيضا رؤية المعارضة المحدودة، والتي يمكن القول إن الأحداث قد تجاوزتها، وهي مدعوة الآن أكثر بإعادة التحليل الجديد الذي أملته التحولات الاقليمية والدولية والخروج برؤية بل بثقافة سياسية جديدة تمكنها من مقارعة النديّة للنظام الحاكم الذي يمكن القول إنه أدرك سرّ اللعبة الدولية وأتقن اللعب بمفرداتها.

 

صناعة الخصم أو العدوّ كما يحلو للبعض تسميته، هو فنّ قد يتحول مع مرور الأيام إلى علم جديد، النظام اليوم هو أحوج ما يكون إلى خصوم سياسيين بمواصفات مميزة ومناسبة، والمعارضة التي أعدت العدّة واجتمعت بمزافران في آخر هذا الشهر مصمّمة على رسالتها القديمة، وهي دعوة النظام إلى احترام قواعد اللعبة السياسية وعدم الاستئثار بالبقاء في الحكم واستغلال الظروف في تحجيم المعارضة وحصرها في زاوية تفقد فيها خياراتها، وهو ما تراه أنّه يتناقض والمصلحة الوطنية، هذه المفاهيم التي تبدو بالية في القاموس السياسي هو ما تراه الموالاة والنظام أيضا هزيمة نفسية وضعفا سياسيا، فالحراك السياسي هو حلبة ينتصر فيها الأقوى ومن يتقن فن اللعبة ويحول عناصر النقص إلى مفردات للانتصار، ما ينطبق على حلبات المصارعة والملاكمة بين الأبطال، ينطبق على ميادين الصراع بين الأحزاب والقوى السياسية، فلا طعم لمواجهة بين بطل قوي متميز مع خصم ضعيف لا يقوى على النزال، فمثل هذه المواجهة لا تشعر البطل بنشوة الانتصار، ولا تحظى بإقبال الجمهور الباحث عن متعة المشاهدة، مما يدعونا إلى التصديق بصحة قول من قال: «عليك أن تحسن اختيار عدوك» أو عليك أن تطيل البحث عن خصم يليق بخصومتك، ولا يحط من منزلتك وقدرك وهيبتك.

 

فهل تدرك المعارضة أنها مجبرة للسير في مسارات تنتهي بها إلى تكتّل يبدو ظاهريا أنه يشكل خطورة على النظام وقد يحرمه ميزة البقاء في السلطة؟، هل تدرك المعارضة أنها ستمتلك عناصر قوة تسمح لها ببعث خطاب قوي إلى المجتمع تشعره بمدى جديتها في التغيير وبعث سياسة جديدة تكرس أحلام المواطن من ديمقراطية حقيقية وعدالة اجتماعية حقيقية وتوديع مفردات التسلط إلى الأبد؟،هل تدرك المعارضة أنها لم ترتق بعد لفهم أبجدية الصراع مع النظام الذي أتقن فنون الصراع بمفردات العصر الحديث؟

 

فنّ صناعة الخصم أصبح وسيلة مهمّة في إدارة الصراعات والأزمات وتحويل نتائجها لصالحها، فاستفزاز الخصم والتجيير عليه بمفردات تفقده توازنه هي من هذا القبيل أيضا، بل تطور الأمر إلى اختيار خصم لخصمه وعدوا لعدوّه، لتنتقل المعركة بينك وبين خصمك إلى معركة بينه وبين خصم آخر تلعب أنت فيها دور الرّاعي لتهدئة الأمور وتحويل مسارات الصراع بما يخدم أجنداتك السياسية والاستيلاء على الغنائم في الأخير.

 

 

يقول كونيسا: “الديمقراطية لا تحمل معها السلم، وإلا ما كانت المستعمرات الفرنسية والبريطانية قد أقيمت يومًا، وما كان الأمريكيون في العراق، وما كان الإسرائيليون قد أقاموا مستعمرات في الأراضي المحتلة. لا، بل العكس هو الصحيح، ليست الديكتاتوريات كلها سببًا في إشعال فتيل الحرب.ببساطة، من السهل جدًا على النظام الديكتاتوري أن يكتسب عدوًا،سواء في الداخل أوالخارج أوفي الاثنين معًا(مثال: النازيون:يهود في الداخل ونظام ديمقراطي وشيوعيون في الخارج)، من هذا المنطلق يزداد اليقين أن استمرار التفوق لن يكون بمزيد من الراحة والاستجمام، بقدر ما يكون في مزيد من إعداد الخصوم وحتى الأعداد لاستمرار التفوق وحصد المزيد من المكاسب التي تقوي من عضد الجهة الغالبة.

 

بقي القول في الأخير أن معادلة صناعة الخصوم التي تنتهي بنشر قيم المنافسة والمبارزة الشريفة لتحقيق أجندات سياسية تحقق المصالح العليا للوطن وتكسب المواطن حقّه في الرخاء والأمن والاستقرار والعيش الكريم هي مدرسة سياسية وحلبة صراع مثالية تعلم الأجيال مفردات الحروب السياسية وتمكنهم من امتلاك أدوات الصراع وكيفية إدارتها في المواقف التي تستدعى الدفاع عن الوطن ومقوماته ومكاسبه، تبقى أيضا ممارسة سياسية ضرورية تنشدها مقومات السياسة في الجزائر حاضرا ومستقبلا.

 

 

 

 

مقالات متشابهة