22 يناير، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

    من الدول المغاربية إلى أدغال إفريقيا

 

           قريشي جلال

 

                إن الدارس في تاريخ دول ومجتمعات المغرب العربي عموما و المجتمع الجزائري على وجه الخصوص، يدرك ذلك التطاحن الفكري بين من يرى في الزوايا و النشاط الطرقي طقوسا وخرافات وشعوذة بل يصفها البعض أنها أعمال شيطانية تتنافى وجوهر الدين الإسلامي الحنيف.

 

بينما يرى البعض الآخر بأن الزوايا مؤسسات ثقافية لعبت دورا إيجابيا في الحفاظ على الهوية الوطنية من خلال محاربتها للأمية بتكوين المدارس القرآنية في ظروف جد صعبة وبوسائل بدائية تكاد تكون منعدمة في أغلب الأحيان انطلاقا من الظروف العامة التي كانت تمر بها الجزائر إبان الفترة الاستعمارية.

 

و كل طرف يحاول تأكيد وتدعيم فكرته بأمثلة و أدلة، سواء كانت منطقية أو تحليلية وتفسيرية انطلاقا من المنطلق الفكري والتكويني لكل طرف من الطرفين.

إلا أن متمعن في الأحداث التاريخية خصوصا في الفترة الاستعمارية يرى جليا كيف كانت الزوايا صمام آمان ضد التنصير الذي سخرت له أوروبا قاطبة أحدث الوسائل وأقدر الرجال عبر كامل الأقطار المستعمرة، حيث جنّدت الكنيسة أمهر خبرائها على شاكلة «الافيجري» و«الأب لدوفوكو» والآباء البيض والراهبات، والنتيجة كانت عكسية عوض أن يتنصر المسلمون أسلم النصارى، وتوغلت الزوايا والتصوف في أدغال إفريقيا متأقلمة مع واقعها المحلي فأصبح لها شأن عظيم.

 

فقد ارتبطت الزوايا أساسا بالتصوف والطرق الدينية التي أصبح لها الملايين من الأتباع ليس فقط في دول المغرب العربي أين تعتبرها مصدرها ونشأتها وبروز مشايخها إنما في دول إفريقية عديدة، فأصبحت أحد ركائز المجتمع الإفريقي، وكيف سنويا يتوجه الملايين من الأفارقة لزيارة الزوايا كالزيانية والقادرية أوالتجانية والرحمانية، فالدرقاوية والشيخية إلى الشاذلية وغيرها من الزوايا الممثلة للتصوف في المغرب العربي.

 

فليس من السهل استمرار وجود الزوايا والطرق الصوفية وصمودها أمام الهجمة الشرسة باستعمار وترسانته التنصيرية، إلا إذا لم تكن مبنية على أسس فقهية ومرجعية صلبة.

 

فانطلاقا من كون التصوف طريقا من طرق العبادة، يتناول الأحكام الشرعية من ناحية معانيها الروحية و آثارها في القلوب.

و انطلاقا من أن التصوف مرتبط بالزهد والعابد، فنجد حتى أدباء كبار من أمثال الجاحظ أو ابن الجوزي قد ذكروا لنا أكثر من أربعين زاهدا عاصروهم كانوا يمارسون حياة التصوف كما نعرفه الآن.

 

وانطلاقا من كون الزوايا (بمختلف مدارسها الصوفية) كانت مصدر الثورات والمقاومات الشعبية الباسلة للاستعمار، كما هو الحال مع الأمير عبد القادر وانتمائه لأقدم طريقة دينية، الزاوية القادرية نسبة لمنشئها، الشيخ عبد القادر الجيلاني، ومقاومة أولاد سيدي الشيخ والشيخ بوعمامة وإنتمائهم للطريقة الشيخية المتفرغة من الطريقة الشاذلية لشيخ أبو الحسن الشاذلي، ومقاومة الشيخ الحداد والشيخ المقراني وإنتمائهم للطريقة الرحمانية المتفرغة من الطريقة الخلوتية لمنشئها، الشيخ محمد الخلوتي.

 

و انطلاقا من الدور الذي لعبته الزوايا في رفع المستوى الثقافي والاجتماعي خاصة لمدرسي القرآن و وصولهم إلى مرتبة القيادة في المجتمع و تسير أمور العامة و قربهم إلى المراتب العليا فأصبح يطلق عليهم عدة تسميات كلها وردت في القرآن الكريم (كالمقربون، السابقون، أولياء الله والصالحون وغير ذلك).

 

و انطلاقا من كون المدارس الصوفية رغم امتداد جذورها إلى مسلمي الأندلس عن طريق المغرب الأقصى، إلا أنها أخذت خصوصيات مغاربية (الجزائر، تونس والمغرب) محضة بتأقلمها مع واقع المجتمع المحلي الثري بتنوع ثقافاته المكتسبة عبر العصور والحضارات المتعاقبة.

 

كل ذلك مكنها أولا من التجذر في مجتمعات المغرب العربي وتحصين الرابط الاجتماعي والثقافي بين شعوبه، ثم التوغل والتمدد والتوسع في أدغال إفريقيا وإيجاد لها فروع و زوايا و مشايخ وأتباع ومناصرين ذوي ولاء إلى الطرق الصوفية أكثر ما هي إلى دولهم في عدد معتبر من الدول الإفريقية فأصبحوا يشكلون قومية تتجاوز الحدود الجغرافية للدول.

وبغض النظر على هل الطرق الصوفية تمتلك مرجعية فقهية سليمة أولا، وتتناسق مع العبادة الصحيحة، إلا أن الواقع يؤكد انتشارها وولاء أتباعها واستمرار توسعها .

 

فنــــأتي إلــــــى صـــلب الســــؤال الـــــذي نـــــــــرمى إلــــــى طـــــــــرحه.

أليس الأجدر بنا أن نستفيد من الزوايا (الطرق الصوفية) وتوغلها في الدول الإفريقية وتوظيفها في تكوين شبكة جيو اقتصادية تمكنها من إيجاد مجال حيوي كبير يستعمل في صيغة قطب يتعامل بالند مع باقي الأقطاب الاقتصادية العالمية.

 

ألا يجدر بنا أن نوظف المدارس الصوفية وتوغلها في الدول الإفريقية وتشبت مجتمعاتها ببعدها الروحي في إيجاد تكامل فكري موحد يسهل عملية التعاملات السياسية والاقتصادية بشكل عام.

 

فلا بد من إيجاد مشروع دقيق ومفصل في هذا السياق يساهم في بلورته أهل الاختصاص في مختلف التخصصات، يضيف لدور الزوايا السابق دورا مستحدثا يجعلها ليس فقط قطبا دينيا إنما يتجاوزها إلى مشروع اقتصادي جد مربح يمكن دول المغرب العربي عموما و الجزائر خصوصا كونها مصدر الزوايا و الطرق الصوفية السائدة حاليا من التوجه أكثر فأكثر بإفريقيا لإيجاد وتكوين  واستحداث مجال حيوي مستقبلي كبير بعدما فشلنا في إيجاده في الجهة الشمالية من العالم.

 

 

 

مقالات متشابهة