22 يناير، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

هل تخلى أردوغان عن فلسطين لحماية المشروع العثماني الأكبر؟

متابعة وتحليل الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

فاروق أبو سراج الذهب طيفور

 

مدير مركز المنظور الحضاري للدراسات الأفرو آسيوية والسياسات البديلةالجزائر

 

الحلقة السادسة

 

دوافع الحماس الأمريكي لترميم وتصليب العلاقة التركية الإسرائيلية (سياسة المثلث)

 

قامت الولايات المتحدة الأمريكية منذ خمسينيات القرن الماضي بدور الراعي للعلاقات التركية – الإسرائيلية وكان لها على الدوام الدور البارز في توثيق هذه العلاقات حتى وصلت إلى مستوى التحالف الإقليمي الذي له وظائف سياسية تجاه دول المنطقة، وإلى جانب دور الرعاية هذه شكلت السياسة الأمريكية بعلاقاتها القوية مع كل من أنقرة وتل أبيب ما يشبه المثلث الذي يتكامل أضلاعه ويقوم كل ضلع بوظيفته، ولو اختلفت طبيعة هذه الوظيفة، ولكنها تتكامل وتصب في النهاية في الإستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط.

لقد جعلت الولايات المتحدة كلاً من تركيا والكيان الإسرائيلي في حاجة دائمة لبعضهما بحكم الموقع الجغرافي وتكامل الأدوار في الصراع الجاري في منطقة الشرق الأوسط منذ عقود وإلى اليوم، ولعل خير من يترجم هذه السياسة على الأرض هذه الأيام هو وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، فمنذ تسلمه منصبه لا يتوانى عن القيام بجولات مكوكية إلى المنطقة، وفي كل جولة يحرص على زيارة أنقرة قبل أن ينتقل إلى الكيان الإسرائيلي في إشارة إلى الأهمية التي توليها واشنطن للدور التركي في الإستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في هذه المرحلة، وعليه كلما زار جون كيري أنقرة كان يقول للمسؤولين الأتراك ضرورة إصلاح العلاقة مع الكيان الإسرائيلي، وعندما نجح رئيسه أوباما في إخراج سيناريو الاعتذار الإسرائيلي الشفهي سرعان ما عاد كيري إلى أنقرة ليطلب منها التطبيع الكامل مع الكيان الإسرائيلي، واضعاً القضية في خانة (السلام والاستقرار الإقليمي). ويبدو أن كيري يدرك ضعف أنقرة أردوغان فوعدها بدور في القضية الفلسطينية في المرحلة المقبلة، وهو ما يلهب عواطف أردوغان وتطلعه إلى الظهور بمظهر المدافع عن القضية الفلسطينية والقدس في إطار ثقافة عثمانية قديمة – جديدة، يريد أردوغان منها الظهور في الشارع العربي بمظهر البطل الذي يدافع عن القضايا الإسلامية، فيما سقف هذا التحرك لا يخرج عن ما هو مرسوم أمريكياً، والدور التركي هنا مدروس بدقة ويخدم السياسة الأمريكية التي تقول ليلاً نهاراً إن أمن الكيان الإسرائيلي قضية ثابتة وهي فوق كل نقاش وأولوية.

وبدا من الواضح أنه لولا التدخل المباشر والنشط للإدارة الأمريكية والرئيس أوباما شخصياً لكان من المتعذر إن تتم هذه الانفراجة في العلاقات بين تركيا وإسرائيل، فقد ارتأت الإدارة الأمريكية إن مصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية في المنطقة تقتضي إنهاء الخلاف التركي الإسرائيلي، على اعتبار إن إبقاء العلاقة بين أوثق وأقوى حليفين للولايات المتحدة على وضعها الحالي يعني تقليص قدرة الولايات المتحدة على تأمين مصالحها في المنطقة. لقد أدرك صناع القرار في واشنطن إنه في ظل الواقع الشرق أوسطي المتقلب يتوجب إبداء أقصى درجات الحذر عند اتخاذ موقف من الأزمة في العلاقات التركية الإسرائيلية، بحيث لا تبدو الولايات المتحدة منحازة إلى جانب إسرائيل، وذلك بسبب التعاظم في مكانة تركيا لدى الولايات المتحدة في أعقاب الثورات العربية، فلقد أدت ثورات التحول الديمقراطي في الوطن العربي إلى خسارة واشنطن عدداً من حلفائها الأقوياء في المنطقة، سيما نظام الرئيس مبارك، وهو ما رفع أسهم أنقرة في واشنطن، حيث باتت – في نظر واشنطن – الطرف الذي يحفز الاستقرار في المنطقة، بشكل يخدم المصالح الأمريكية، لذا فإن المرحلة الحالية تمثل أوج العلاقة التركية الإسرائيلية. وتفسر الكثير من دوائر التقدير الإستراتيجي في تل أبيب الحرص الأمريكي على إصلاح العلاقة الإسرائيلية الأمريكية في أنه يأتي في إطار محاولة واشنطن وقف تراجع مكانتها بالمنطقة في أعقاب الثورات العربية. ويقول عاموس جلبوع، أن صناع القرار في واشنطن يرون أن أحد أهم الأدوات التي تضمن تحقيق هذا الهدف هو الاعتماد على ” الحلفاء الحقيقيين ” للولايات المتحدة في المنطقة، وهما: إسرائيل وتركيا، وهذا ما يحتم بذل أقصى جهد ممكن من أجل إصلاح العلاقة بينهما. وعلى الرغم من توجهات جبلوع اليمينية، إلا إنه يحث نتنياهو على إدراك حقيقة إنه إن كان معني بالحفاظ على ثبات العلاقة بين تل أبيب وواشنطن، فإنه يتوجب عليه إصلاح العلاقة مع أنقرة، على اعتبار إن هذا يمس الوتر الحساس في المصالح الأمريكية في المنطقة. ولقد بدا واضحاً إن التحرك الأمريكي لإصلاح العلاقة التركية الإسرائيلية يأتي في إطار السعي لتكريس محور ” تركيا إسرائيل الأردن ” الذي تراهن عليه الولايات المتحدة في سعيها لتقليص الآثار السلبية للأحداث في سوريا، سيما كابوس تسرب السلاح غير التقليدي والصواريخ بعيدة المدى إلى الجماعات الجهادية، مع العلم أن هذا الهدف يمثل مصلحة إستراتيجية عليا لإسرائيل. إلى جانب ذلك، فإن إدارة أوباما معنية بتقليص فرص تفجر بؤر أزمات إقليمية لتمكينها من مواجهة التحديات الكونية، سيما على صعيد المواجهة مع الصين، وكوريا الشمالية وإيران.

 

  • هل تراهن إسرائيل على ما يسميه بعض كتابها عقلانية تركيا


   افترضت إسرائيل أن هناك عدد من الاعتبارات ” العقلانية ” التي وقفت خلف قبول أردوغان الاعتذار الإسرائيلي. يرى داني أيالون أنه على الرغم من ارتفاع مكانة تركيا لدى الولايات المتحدة، إلا إن الأتراك يدركون حجم تأثير الكونغرس وجماعات الضغط على صانع القرار في البيض الأبيض، وبالتالي فإن ” استفزازات ” أردوغان التي وصلت إلى حد اعتبار الصهيونية بمثابة ” جريمة حرب ضد الإنسانية ” أمر لا يمكن لواشنطن أن تمر عليه مرور الكرام، سيما وأن أنقرة تحتاج أيضاً إلى مساعدة أمريكا لها في إدارة أزماتها المتفجرة مع كل من أرمينيا وقبرص واليونان. في الوقت ذاته، فإن الإسرائيليين يعتبرون إن أنقرة مثلها مثل تل أبيب باتت تدرك أن الأزمة السورية يمكن أن تصبح مصدر تهديدات جدية لأمنها القومي، مما يحتم تعاوناً إقليمياً لمواجهة هذه التحديات، سيما وأن أردوغان يستبعد التدخل العسكري المباشر في الأزمة. وضمن جملة الاعتبارات ” العقلانية ” التي تفترض النخبة الإسرائيلية أنها ستدفع أردوغان لقبول التعاون الإقليمي مع إسرائيل بشأن الأحداث في سوريا: الخوف من اليقظة الكردية في سوريا وتداعيات وقوع السلاح غير التقليدي في أيدي الجماعات الجهادية وتعقيد ظروف تركيا في التنافس مع إيران على كل من سوريا والعراق، ويأملون في إسرائيل أن يلعب الاعتبار الاقتصادي دوراً أعمق في دفع أردوغان لإعادة تقييم مواقفه، سيما بعد انهيار الاستثمارات التركية في سوريا، وفي ظل عدم الاستقرار في مصر، الذي يجعل إمكانية التعاون الاقتصادي بين القاهرة وأنقرة محدودة للغاية. وهناك في إسرائيل من يرى أن الجزرة التي يمكن أن تلوح بها تل أبيب لأنقرة تتمثل في التعاون بين الجانبين بشأن اكتشافات الغاز الضخمة في البحر الأبيض المتوسط، على الرغم من حساسية الأمر بالنسبة لحلفاء إسرائيل في البلقان. ويقترح “مركز أبحاث الأمن القومي” الإسرائيلي “مساعدة” أردوغان على بلورة الاعتبارات ” العقلانية ” عبر عرض مجموعة من المغريات عليه. وضمن قائمة المغريات الإسرائيلية المقترحة توظيف المزايا الناجمة عن تحول إسرائيل إلى دولة مصدرة للغاز قريباً في أعقاب اكتشافات الغاز الضخمة في حوض البحر المتوسط. ويقترح الإسرائيليون التعاون مع الأتراك في البحث عن الغاز ومصادر الطاقة الأخرى في حوض البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب نقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر أنبوب يمر في تركيا، مع كل ما يترتب على ذلك من عوائد اقتصادية على الاقتصاد التركي؛ مع العلم إن هذا هو السيناريو الأفضل لنقل الغاز من إسرائيل لأوروبا، مع العلم إن استخراج الغاز من الحقول الجديدة بدأ أواخر شهر مارس الماضي 2016. من الأهمية بمكان هنا التنويه إلى حقيقة أن الإسرائيليين يرون إن السلوك ” العدائي ” لأردوغان تجاه إسرائيل يرجع – مضمون أمور أخرى –إلى رغبة تركيا في لعب دور الدولة الضامنة لوصول الطاقة إلى أوروبا، لذا لم تتردد في تهديد قبرص بسبب تعاونها مع إسرائيل بشأن التنقيب عن الغاز في البحر الأبيض المتوسط.

وهناك في إسرائيل من يرى إن أردوغان قام بالتصعيد ضد إسرائيل انطلاقاً من حسابات المصالح الباردة وليس من منطلق حماس ديني أو قومي، حيث إنه اعتبر إن هذا السلوك يعزز من مكانة تركيا الإقليمية لأنه سيلقى استحساناً لدى العرب، في الوقت ذاته تبنى إستراتيجية ” صفر مشاكل ” مع محيطه العربي والإسلامي. وحسب هذا المنطق، فإن فشل هذه الإستراتيجية الذي عكسه توتر العلاقات التركية مع العراق وإيران وسوريا؛ يفترض أن يحتم على أردوغان البحث عن إنجازات في ساحات أخرى، وهذا ما قد يدفعه إلى تحسين العلاقة مع إسرائيل، بحيث تقوم العلاقة على التقاء مصالح قوامه: تعاون تركي مع إسرائيل في مواجهة الملف النووي الإيراني مقابل مساعدة إسرائيل تركيا في تحقيق هدفها بالتحول إلى قوة إقليمية رائدة.

في الوقت ذاته، فإن هناك إدراك في إسرائيل بوجوب محاولة نزع الذرائع مستقبلاً لتوتير العلاقة مع أنقرة، سيما في كل ما يتعلق بالحصار المفروض على قطاع غزة، دون أن يؤدي ذلك للمس بالأمن الإسرائيلي، من هنا فقد وافقت إسرائيل على طلب تركيا نقل معدات لإقامة مستشفى تركي يدشن حالياً في شمال قطاع غزة، وذلك عن طريق ميناء أسدود، وهو المستشفى الذي من المقرر أن يقوم أردوغان بافتتاحه خلال زيارته المرتقبة للقطاع. لكن ومع ذلك، فإنه – وبخلاف ما زعمه أردوغان – فإن إسرائيل لم تقدم أي التزام برفع الحصار عن غزة، بدليل إنها شددت إجراءات الحصار في أعقاب الاعتذار الإسرائيلي.

وقد جاء هذا الاعتذار، كما قال الدكتور المختص في الشؤون التركية، دلي خورشيد، بعد نحو ثلاث سنوات من جريمة الاعتداء الإسرائيلي على سفن أسطول الحرية وقتل تسعة ناشطين أتراك كانوا على متن سفينة “مرمرة” في الحادي والثلاثين من مايو عام  2010، وهي جريمة أثارت التوتر في العلاقات التركية – الإسرائيلية خصوصاً بعد أن اشترطت أنقرة عودة العلاقات مع الكيان الإسرائيلي بثلاثة شروط أساسية، وهي: تقديم اعتذار مكتوب موجه للشعب التركي، تعويض أهالي الضحايا، ورفع الحصار عن قطاع غزة.

يتبع…

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات متشابهة