28 سبتمبر، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

شهر الله محرم

الشيخ مهاجري زيان:خطبة من المؤسسة الثقافية الإسلامية بجنيف

أيها المسلمون:شهرُ اللهِ المحرَّمُ هو أوَّلُ شهرٍ من الأشهُرِ الهِجريَّةِ،وأحدُ الأربعةِ الأشهُرِ الحُرُمِ التي عظَّمها الله تعالى وذكَرَها في كتابِه، فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهور عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} (التوبة – 36).، وقد بيَّن لنا نبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحكامَ هذا الشَّهرِ.
هذا الشهر شَرَّفه اللهُ تعالى من بين سائرِ الشُّهورِ، فسُمِّي بشهرِ اللهِ المُحَرَّمِ، فأضافه إلى نفسِه؛ تشريفًا له ، كما بيَّن رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تحريمَ الله تعالى لهذه الأشهُرِ الحُرُمِ، ومِن بينِها شهرُ المُحَرَّمِ؛ قال : النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:(إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الذي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) متفق عليه، وقد رجَّح طائفةٌ من العُلَماءِ أنَّ مُحَّرمًا أفضَلُ الأشهُرِ الحُرُمِ؛ ويدُلُّ على هذا سؤال أبي ذرٍّ رضي الله عنه النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : أيُّ اللَّيلِ خيرٌ، وأيُّ الأشهُرِ أفضَلُ؟ فقال: خيرُ اللَّيلِ جَوفُه، وأفضَلُ الأشهُرِ شَهرُ اللهِ الذي تَدْعونَه المُحَرَّمَ) رواه عن أبي ذرٍّ: النَّسائيُّ في الكبرى والحديثُ صحيحٌ.
بيَّن رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَضْلَ صيامِ شَهرِ اللهِ المُحَرَّمِ بقَولِه: (أفضَلُ الصِّيامِ بعد رمضانَ شَهرُ اللهِ المُحَرَّمُ) رواه مسلم.
واليومُ العاشِرُ مِن هذا الشهر هو عاشوراءُ؛ ولهذا اليومِ مزيَّةٌ، ولصومِه فضلٌ، حَثَّ عليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وعاشوراءُ هو اليومُ الذي أنجى اللهُ تعالى فيه موسى _عليه السلام _ وقومَه، وأغرقَ فرعونَ وقومَه؛ فصامه موسى شُكرًا لله، ثم صامه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لِما رواه ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: (قَدِمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المدينةَ، فوجد اليهودَ يصومون يومَ عاشوراءَ، فسُئِلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليومُ الذي أظهر اللهُ فيه موسى وبني إسرائيلَ على فِرعونَ؛ فنحن نصومُه تعظيمًا له، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (نحن أَولى بموسى منكم، فأمَرَ بصيامِه) رواه البخاري ومسلم.
أمَّا فضلُ صيامِه، فقد دَلَّ عليه حديثُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:(أحتَسِبُ على اللهِ أن يُكَفِّرَ السَّنةَ التي قَبْلَه). رواه مسلم.
لم يصح عن رسول الله في يوم عاشوراء شيء غير الصوم، أما من التزين والاكتحال وتوسعة على العيال، ورد فيها أحديث موضوعة أي مكذوبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا بد من معرفة الظروف التاريخية التي ولدت فيها هذه المرويات، فهي تلقي ضوءا كاشفا على هذه الأقاويل وقيمتها، فقد شاء القدر أن يقتل الحسين رضي الله عنه في اليوم العاشر من المحرم، فجعل منه كثير من شيعته يوم حزن مستمر، بل جعلوا الشهر كله مأتما وحدادا، وحرموا على أنفسهم كل مظاهر الفرح والزينة والاستمتاع بالحياة وكان رد الفعل عند المتطرفين من خصوم الشيعة على هذا الغلو أن جعلوا الفرح والتزين في هذا اليوم عبادة وقربة إلى الله، وعززوا ذلك بآثار وأحاديث وضعوها، وكان أجدر بالفريقين أن يقفوا عند حدود الله، ويتخلصوا من التعصب المصم المعمى، الذي فرقهم شيعا وأحزابا، وأن يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا، {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام:153)
عاشوراء يوم ميمون تحقق فيه أكثر من انتصار للحق على الباطل، وللإيمان على الكفر، وللخير على الشر، فقد أخرج أحمد عن ابن عباس أن السفينة استوت على الجودي فيه، فصامه نوح شكرا لله تعالى.
روى مسلم عن ابن عباس قال: لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى فقال: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع. قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم.والذي يفهم من جوابه عليه الصلاة والسلام ومن الآثار الأخرى أنه عليه الصلاة السلام لن يقتصر على اليوم العاشر بل يضيف إليه التاسع مخالفة لليهود والنصارى.
قال ابن القيم: فمراتب صومه ثلاث: أكملها أن يصام قبله يوم، وبعده يوم ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وحده بالصوم.
إخوة الإيمان: علينا في هذه المناسبة أن نقف وقفة تأمل مع حدث الهجرة النبوية التي جعلها المسلمون بداية لتاريخ هذه الأمة، ولم يجعلوا ميلاد الرسول عليه الصلاة والسلام ولا بعثته، ولا وفاته، ولا فتح مكة بداية التاريخ لهذه الأمة، إنما جعلوا هذا التاريخ يبدأ من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام.
هجرة محمد صلى الله وعليه وسلم كانت بحثاً عن أرض خصبة لبذر الاسلام ومبادئه وقيمه فيها لتنبت نباتها وتُؤتي أُكُلها بإذن ربها، كانت بحثاً عن قاعدة آمنة يؤسَّس فيها مجتمع المسلمين ودولتهم ويتحقق للمسلمين كيان مستقل.
وفعلاً استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم هذه الدولة ويؤسس هذا المجتمع وينشئ هذه الأمة الجديدة خير أمة أخرجت للناس.

أيها الأحبة: وبهذه المناسبة نذكر المسلمين ونُعْلم غير المسلمين بوثيقة المدينة التي تعتبر أقدم الوثائق الدستوريَّة في العالم حققت مبدأ التعارف والعيش المشترك بين الطوائف المتباعدة والمتناحرة. واعتبر الكثير من المفكرين العالميين وعلماء القانون الدولي: أنَّ هذه الوثيقة نقلت الإنسانيَّة من دولة العشيرة والقبيلة والقوميَّة إلى الدولة الإنسانيَّة العالميَّة، التي تضمُّ شعوب الأرض على اختلاف أصولهم العرقيَّة، وانتماءاتهم القوميَّة، وعقائدهم الدينيَّة، واستطاعت بنجاح أن تُحَقِّقَ مبدأ التعارف والعيش المشترك. إنَّ المتأمّل في دستور المدينة بعينٍ الاعتبار يُمكن أن يستخلص من الدروس والعبر ويخرج بنتيجةٍ وفائدة، يتبين له فيها أن هذه الوثيقة سعت إلى إقامة مجتمعٍ نموذجي لا يجحد التنوُّع ولا يُنكره، بل يسعى إلى الاستفادة منه، وهو مع هذا يُقِيم مبادئ التعارف والتعايش واقعًا فعَّالًا بين مختلف الانتماءات والطوائف والعقائد، لا كلامًا على الورق بلا فائدةٍ أو نتيجة بل واقعا ملموسا. ولذلك لم يتجاهل النبيُّ صلى الله عليه وسلم مميِّزات كلِّ فئةٍ من هؤلاء، كما أنَّه حرص على إقامة المشتركات بين مَنْ كانوا أعداء متناحرين يقتل بعضهم بعضًا، وفي هذا من الإشارات والفوائد ما يُستخلص منه أنَّ البشر قادرون على الاجتماع حول المشتركات التي تُقَرِّبهم، وتجعلهم متعارفين متعايشين، إذا اتفقوا على ذلك بصيغٍ توافقيَّةٍ تُراعي مميِّزات كلٍّ منهم.

مقالات متشابهة