28 سبتمبر، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

مذكرات متيجية.. الحنين إلى بقر الحليب

بقلم: بلقاسم عجاج

مع بداية النهار وبزوغ أشعة الشمس.. يتدفق الناس على إسطبل الأبقار بالمزرعة، حيث كانت تلك الأبقار تلتهي بالكلأ الذي يقدمه لها الفلاحون فيما يعجلون بحلبها دون أن تزعجهم وهم يجمعون الحليب، فترى عمال الإسطبل يختارون كل واحد منهم لينزع منها ما جاد به ضرعها ويملأ به الدلو الكبير المصفح من مادة الألومنيوم والذي يغلق بإحكام عندما يتم ملؤه بالحليب.
كان أغلب مرتادي الإسطبل لشراء الحليب أطفال صغار اعتاد آباؤهم دفع اشتراك شهري مقابل الحصول على الحليب يوميا، فتظهر علامات السعادة في وجوه الأطفال خاصة وأن عملية جلب الحليب تحولت في نظرهم رحلة استكشاف يومية، فيدخلون الإسطبل ويتجولون بين الأبقار ويشهدوا عملية الحلب.
استذكر الأشخاص الثلاثة في حيّنا الذين كانت الطيبة تغلب محياهم.. إنهم عمي رابح وعمي علي.. وثالثهم أيضا اسمه عمي رابح، كانوا أسخياء ويغضون الطرف عن لعب الأطفال داخل الإسطبل، وعندما يحين موعد ملء “القصديرة” التي تسع لترين أو ثلاثة من الحليب الذي نستلمه أحيانا مباشرة عند حلب البقرة أو من صهريج تجميع الحليب المكيف على نسبة برودة تحفظ الحليب ، وكنا نحصل على قليل من الحليب نتذوقه دافئا خارج الحساب؛ فقد كانت خيرات الحليب تغمر القرية والقادمين من المدينة وحتى الوافدين من مناطق أخرى.
ظلت الأبقار تمدنا بالحليب لسنوات طويلة، غير أن تقسيم المزارع إلى مستثمرات فلاحية، وما تبعه من أعباء على العاملين الثلاث الذين كان من نصيبهم الإسطبل جعلهم لا يستمرون بعدما تقدمت الأبقار في السن، ولم تنجح عملية استيراد أبقار جديدة.. كنا ونحن صغار نسمع عن جلب أبقار هولندية.. لكن الأمر بقى مجرد حلم.. فبقينا نحلم بقدوم أبقار هولندية.. غير أننا تفاجأنا ببيع الأبقار المسنة ونفاد الإسطبل من بهائمه.. وتبخر الحليب الذي كبرنا به وشربناه أطفالا رضعا ثم أطفالا يافعين.. حتى نمت نعومة أظافرنا.. لكن الحنين والشوق لتلك الأبقار ما يزال، وبقيت معه الذكريات وأطلال الإسطبل الذي كان يحويها يوما ما !..

مقالات متشابهة