17 أبريل، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

هل يمكن التعويل على «اللقاحات»؟!

بقلم – الخبير في شؤون الطاقة الدكتور مهماه بوزيان

يجري وضع «اللقاحات» في صلب إشكالية تعافي الاقتصاد العالمي كمعطى أساسي، لأن تلقيح الساكنة سيعطيها «المناعة» حقيقة أو «وهماً»، المهم في الأمور هو وصول «الحالة العالمية» إلى التغذي من «الشعور بالمناعة» و «القدرة على المناعة» و «التحرر النهائي من قيود الحجر»، وبالتالي التوجه بثقة إلى رفع حالة الإغلاق والحجر، و عودة حالة التنقل و الإختلاط العام، وبذلك إرتفاع منسوب الاسنهلاك، وفتح مجال النقل وبذلك عودة النقل الجوي على الخصوص، لأن النقل يعد أكبر قطاع عالمي مستهلك للنفط، وبالتالي انتعاش الطلب على النفط، هذه مقاربة تحليلية معهودة وتقليدية، واسميناها «الحل في تلقيح برميل النفط»، لكن بقدر ما ينبغي أخذها كمعطى مؤثر في مستقبل أسواق النفط، فإنه ينبغي لنا مراعاة أربعة (4) مسائل أساسية أخرى مهمة ضمن هذه المقاربة :

الأولى، مسألة تتعلق بمدى «جاهزية» هذه اللقاحات بكميات وفيرة، و القدرة على التوزيع والاستخدام السريع لها، خاصة في فضاءات الاقتصادية الكبرى والناشئة وامتداداتها العالمية، و التي يتنامى فيها الطلب على النفط واستهلاكه، هذا في المدى المنظور، لكن على المدى الأبعد من المنظور، فالخوف كل الخوف من الردّات السلبية على هذه اللقاحات، كأن تبرز مشكلات متعلقة بها، وهذا سيعصف بموثوقيتها، وبالتالي الردات السلبية ستطال حتما الأسواق كلها، و آثارها على برميل النفط ستكون صعبة جدا. مشكل الموثوقية لن يظهر اليوم، لأننا الآن في العالم نحن أمام حالة «اللهفة و الرغبة والحاجة والإنبهار والتطلع للإنعتاق من إجراءات الحجر بأي ثمن» لذلك سيكون الاقبال الواسع على اللقاحات مغذيّاً للطلب على النفط، لكن مشكل الموثوقية هذا سيبدأ في الظهر بعد 3 سنوات قادمة، وستكون الأثار مدمرة في حالة ثبوت تلاعب في هذه اللقاحات على نطاق واسع، وبأن الترويج لها كان تجاريا وليس مبنيا على أسس علمية موثوقة ومسلم بها.

الثانية، مسألة قيام «منظمة الصحة العالمية» بدعوة المجموعة العالمية للتأهب لإمكانية ظهور فيروس آخر سيضرب المعمورة، وهذه الدعوة كانت قد سبقتها تنبؤات «بيل غيتس» بأن وباء جديدا قد يكون أخطر من كورونا سيضرب بقوة البشرية في 2021، هذه النبؤات لا تنطلق من فراغ، لأن «بيل غيتس» نفسه كان أحد الذين توقعوا هذا الوضع المريع منذ مدة، وكررها في مواعيد عالمية، لذلك أنا أخشى من تأثير هذه «الفزّاعة» الجديدة على الاقتصاد العالمي، وعلى برميل النفط.

الثالثة، مسألة التحول نحو «الصناعات الخضراء» و «المصادر الطاقوية منخفضة المحتوى الكربوني»، فهذه المسألة ينبغي النظر إليها من منظورين، منظور الشركات النفطية العالمية، التي كان تستثمر في الاستكشافات النفطية و جني الأرباح الكبيرة من خلال المشاركة في الأصول أو في تقاسم الإنتاج، فهذه حين تعلن عن تقليص خططها المستقبلية في هذا المنحى، وتعلن عن توجهها للإستثمار في التنويع و في منظومات «الحياد الكربوني»، فهذا ينبغي لنا وضعه ضمن إطاره الصحيح المرتبط بمنطق «إنسياب رؤوس الأموال» التي تفضل المجازفة في منطقة المنخفضات التي ينساب إليها المال بمجرد الدعاية مع القليل من الجهد. بينما في المقابل نجد منظور الشركات النفطية الوطنية التي تمتلك إحتاطيات هامة من المحروقات، فهي الفاعل الوطني بإسم الدولة في مجال الموارد الطاقوية الوطنية، وهي ممثل مصالح المجموعة الوطنية، فليس مسموحا لها تضييع هذه التروات أو التفريط فيها، كما أنه ليس من السهل عليها «التحول عما تملك والتوجه للتشبث بقشة ما لا تمتلك»، كما أن هذه الشركات النفطية الوطنية في كل جهات العالم تتعرض إلى ضغوطات هائلة لدفعها نحو الإنخراط في «التحول القسري» الغير مخطط له. وهنا ينبغي لنا استحضار مساعي عديد الجهات المنتجهة و المتحكمة في الصناعات الخضراء لجعل كورونا نقطة تحول عن النفط. اليوم هناك ضغط قوي و متعمد لأسقاط «الوقود الأحفوري» أرضا وبالضربة القاضية، وعديد الشركات الدولية التي كانت تستثمر في النفط و تتاجر فيه وحتى تسمسر في أسعاره، هي تضع اليوم قدما في سوق «الحياد الكربوني». لذلك نحن أمام مسعى هيمنة جديد يولد و نحن نهلل له و ننقاد دون وعي و روية و تحضير، مسعى للهيمنة السالبة للروح، يعمل على إرخاص كل ما في ايدينا، ليتمكنوا في الغد من بيع منتجاتهم لنا بالكيفية التي يريدون، ويستردون استثماراتهم من حرّ مالنا و بإرادتنا عن طواعية، لأن أباطرة هذه الهيمنة الطاقوية الجديدة يجدون في «جائحة كورونا» الفرصة التاريخية السانحة، التي تتاح في كلّ قرن مرة واحدة، لصياغة منظومة أقطاب جديدة للطاقة اليوم، لبكونوا من خلالها هم أسياد الطاقة المستقبلية و أربابها.

لكن في منظوري أعتقد بأن هذا التسارع في تغذية «التحول الطاقوي القسري» سينقلنا من حالة «الوفرة النفطية» إلى وضع «الندرة النفطية» بعد عشرية من الزمن،  و هذا سيكون في صالح «الشركات النفطية الوطنية» التي ستلتزم بالمحافظة على نشاطاتها و تعزيزها و تثمين «ما تتقن عمله، وما طورته من خبرات و مهارات لفعله»، لأن أسعار النفط سترتفع بشكل «مشهدي صاخب» على المدى المتوسط كنتيجة حتمية لشح الإستثمارات حاليا في خطط الاستكشاف و التطوير للإحتياطيات والإنتاج.

لذلك أجد بأن «تحرير إرادة سوناطراك» كشركة نفط وطنية و تعضيد جهدها في استكمال بناء نموذج أعمالها التجاري، المستوعب لمتطلبات الحاجة الوطنية البعيدة المدى (إمدادات للسوق الوطنية الداخلية، و دعم مداخيلنا من العملة الصعبة  التموقع كفاعل أساسي في السوق الطاقوية الدولية) هو تحدي أسعار النفط المستقبلي لنا، فما هو قائم ينبغي تعزيزه، وترك مجال تخطيط استراتيجية وطنية للإنتقال الطاقوي للهيئات العليا التي تسمو فوق الهيئات القطاعية، لأن «الانتقال الطاقوي» لا ينبغي أن يدخل نطاق «التنافس حول المنجزات» فيما بين القطاعات الوزارية، فالأمن الطاقوي هو موضوع حيوي وسيادي للأمة الجزائرية ولا ينبغي الإخلال به من خلال توصيف عملياته ك «منجزات صورية يتم تضمينها في التقارير السنوية». للأسف، التنافس والتضاد أحيانا حول خطط لا يجري تجسيدها بالمعايير والأهداف المعلومة والمتفق حولها مسبقا، لن يحقق تقدما مرتجى بل سيضعف ماهو قائم. فلنتوقف على البحث عن عمليات مجزأة لإنجازها بتسرع أو السطو عليها، فالانتقال الطاقوي هو عمل منظومي، يتبغي أن تهندسه هيئة عليا، ثم يتم إنزاله للعمل الحكومي كخطة متكاملة، ليقوم كل قطاع بتنفيذ اجزاء منه في تناغم تام مع بقية القطاعات الوزارية الأخرى.

– الرابعة، مسألة استمرار تماسك «أوبك+» و ارتقاء «وتيرتها في الاستجابة للأحداث».

ففي المدى المنظور يبقى الأمل الأكيد قائما على مدى استمرار تماسك مجموعة أوبك وحلفائها وتعاملها بمرونة وذكاء و واقعية مع تطورات سوق النفط المستقبلية، ولعل تطوير أوبك مع شركائها ل«وتيرة عالية للاستجابة للأحداث» إلى «مستوى الشهر» هو عنصر ايجابي يعزز هذا الأمل، لكن استمرار ذلك بفعالية سيقى الرهان المرتجى.

حين نعود إلى مضامين الاتفاق التاريخي ل «أوبك+»، والتي إلتزم بموجبها المنضوون تحت سقف هذا التوافق والإتفاق إلى القيام بخفض تاريخي بحجم :

– (9,6) مليون برميل لشهرين (ماي، جوان)،ثم جرى تمديده لاحقا إلى شهر ثالث (جويلية)

– (7,7) مليون برميل (لمدة 6 أشهر، أي إلى غاية نهاية ديسمبر 2020، لتصبح 5 أشهر فقط، بعد التمديد في جويلية)، إضافة إلى استدراك تخلف الأعضاء، بمعنى أننا أصبحنا نتحدث عن تخفيض بمستوى (8,1) مليون برميل.

– (5,8) مليون برميل (خلال 15 شهر، من بداية جانفي 2021، إلى نهاية مارس 2022).

الأن مع إقرار خفض 500 ألف برميل يوميا عن المستوى الحالي، سيكون مستوى التخفيض المعدل، بداية من جانفي إلى نهاية مارس 2021، هو (7,2) مليون برميل، مع اضافة الحجوم المتوجبة ك«استدراك تخلف» لبعض الأعضاء.

لذلك، في تقديري، أجد بأن هذه المراجعات هو دليل حيوية «أوبك+» وعمل ينبغي أن نثني عليه، لأنه يقوم على :

1- تتبع وضع السوق النفطية، عن كثب، ومراجعة السيناريوهات دوريا، بخصوص حاجة الاقتصاد العالمي، و منحى تذبذب المخزونات خامات كانت أو مشتقاتها، هذا الحرص مكّن «أوبك+» من ايجاد آلية فعالة لمراقبة سوق النفط بشكل دوري،

2- هذه المقاربة، ستمكن من بناء «سعر متماسك»، وهذا أفضل من استهداف سعر عالي سريعا، لكن بإمكانه أن يعاود التهاوي بشكل استعراضي فظيع،

3- هذا العمل الدؤوب الذي تقوم به أسرة «أوبك» و حلفائها، أستطيع بكل ثقة اعتباره يستجيب لرؤيتنا التي رافعنا لصالحها، منذ انهيار اسعار خامات النفط في منتصف العشرية الثانية لهذا القرن، حيث قلنا بأن «منظمة أوبك بحاجة ماسة وسريعة إلى تطوير وتيرة استجابتها للأحداث»، حيث كانت هذه الوتيرة بمتوسط 16 شهرا في منتصف هذه العشرية، لترتقي خلال النصف الثاني من هذه السنة، مع حلفائها من خارجها، إلى وتيرة الشهر الواحد، وهذه حيوية مشهودة و منشودة و نثني عليها، و نأمل استمرارها بالفاعلية التي تتفاعل مع تموجات السوق بما تستوجبها مصالح المجموعة ككل، وهو «العمل المستهدف» الصعب دوما، لأن مقتضيات تحقيقه هو محل تجاذبات لا تتوقف و لن تزول في المدى المنظور بالتأكيد.

مقالات متشابهة