15 يناير، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

انتقال طاقوي مكيّف بخصوصيات الوطنية…لماذا ؟ وكيف ؟

بقلم: د. مهماه بوزيان – باحث دائم وخبير مستشار في شؤون الطاقة

mah2bouziane@gmail.com

تجسيد “النموذج الطاقوي المستدام” والعمل على وضع “أسس الانتقال الطاقوي المكيّف مع الخصوصيات الوطنية” .. يحتاجان منا إلى تدقيق، وتحليل، و نقد، بغرض هندسة منظومة مستدامة .. هذه المنظومة التي تشتمل على عدة عناصر أساسية ينبغي إحلالها في الفضاء الوطني قبل الإنطلاقة في المشاريع الكبرى أو حتى التفكير فيها.

  1. الإستدامة .. تعزيز القدرات وليس تخزين الموارد

لو نستحضر أعمال “فريتيوف كابرا” أستاذ الفيزياء النمساوي المنشأ، والمدير الحالي لمركز “محو الأمية الأيكولوجية” بمدينة بيركلي في ولاية كاليفورنيا، و صاحب العديد من الكتب الراقية في مجالات الفيزياء والآثار العلمية على الحياة الفكرية والاجتماعية للإنسانية، والذي ساهم مع العديد من زملائه العلماء في أعمال منهجية رفيعة المستوى، على غرار مؤلفهم “محو الأمية الأيكولوجية: تعليم أطفالنا من أجل عالم مستدام” الذي أسهم فيه “فريتيوف كابرا” و”مايكل. ك. ستون”، و “زنوبيا بارلو” و “ديفيد .و. أور”، هذا الأخير الذي له كتاب “محو الاميه الأيكولوجية : التعليم والانتقال إلى عالم ما بعد الحداثة“. سنجد “فريتيوف كابرا” حين يتحدث عن “ الإستدامة” يقوم بحفريات ألسنية و معرفية لإستخلاص الدلالات الأصيلة والحقيقية لـ “الإستدامة“، حيث يشير في دراساته بأن كلمة “Sustain” في اللغة الإنجليزية بشكلها كفعل تعني “يساند أو يحافظ على، أو يصون”، وكون اللغة الإنجليزية لغة تراكيب، وليست لغة اشتقاق مثل اللغة العربية، فإن استنباط الأسماء والمصادر والنعوت تأتي بإضافة مفردات قبل الكلمة وبعدها. وبالتالي فإن هذه الكلمة  “Sustain” مثلا حين يضاف إليها “Ability” التي تعني “القدرة” فتصبح “Sustainability” فإننا نحصل من خلالها كـ”تركيب” على ما يفيد معنى “إمكانية المساندة للشيء“. لكنه لا يتوقف هنا لإستخلاص المفهوم، فهو يعمد إلى بسط قراءة معرفية تقوم على “مبادئ التصاميم” التي تتصف بها مؤسساتنا الإجتماعية، والتي ينبغي لها لتحقيق بقائها و إسناد هذا البقاء أن تستخلص توافقات مع مبادئ التنظيم المبثوث في الطبيعة والتي تطورت نظمها من أجل إبقاء شبكة الحياة وتعزيزها. وهذا يقودنا حتماً إلى العناية بـ”علوم التعقد أو التعقيد” وبحث “نظرية التعقد” و “الديناميكا غير الخطية” التي تقدم لنا توليفة من النظريات غير الخطية المعاصرة المتعلقة بالمنظومات الحياتية التي تمهد لفهم علمي جديد للحياة ومنظوماتها، ومن هنا تنبع “النظرية الأيكولوجية الجديدة” التي تقدم لنا المفهوم السليم لـ “الإستدامة“، والذي يقصد به “تعزيز القدرات واختزان مغذيات النمو والنماء وليس تخزين الموارد“، و تقدم بذلك تشذيباً وتهذيبا لمفهوم الاستدامة الذي قدمه في أوائل الثمانيات “ليستر براون” مؤسس معهد وورلد ووتش، والذي قدم الإستدامة كتوصيف للمجتمع الذي يفي بإحتياجاته دون الإضرار بفرص الأجيال المستقبلية. لذلك نجد بأن المفهوم العميق للإستدامة الذي قدمه “فريتيوف كابرا” بإعتبارها “تعزيزا للقدرات” لا يتناقض من حيث الجوهر مع مفهوم “الأباء المؤسسون” لكنه يعيد تهذيبه وتصويبه، بعد انتشار كمّ طاغي من الطروحات الراديكالية المعادية للموارد، والتي أصبحت تأخذ طابع “الأيديولوجية” الثورية المتجذرة أكثر منها كتصورات بناءة معززة لنظم الحياة، و من هنا ندرك مغزى توجه أعمال “فريتيوف كابرا” مع العديد من زملائه العلماء للعمل على “محو الأمية الأيكولوجية“.

 

  1. انتقال طاقوي أم تحول طاقوي ؟

خلال هذه السنة 2020 صدر على الأقل (13) مؤلفا مرجعيا حول هذا الموضوع. فعلى سبيل استحضار البعض منها، نجد مثلا، كتاب “دليل بالجريف لإدارة الوقود الأحفوري و الإنتقال الطاقوي” الذي حرره كلّ من جيفري وود، و كيث بيكر. كما نجد كتاب “حالة التحول الطاقوي: الحقائق الألمانية والأمريكية والخيارات الصينية” لـ”تونغ تشو، و لي وانغ” حيث يضع هذا الكتاب موضوع انتقال الطاقة ضمن الخلفية التاريخية للتنمية الاجتماعية والبشرية، ويستكشف قيمة وأهمية انتقال الطاقة من أجل التحول الاقتصادي في سياقات “النمو الاقتصادي”. وأيضا كتاب “الإنتقال الطاقوي ومستقبل الغاز في الاتحاد الأوروبي: دعم أم إزالة الكربون” لـ “Gökҫe Mete”. كما نجد كتاب “الأساس المادي للتحول الطاقوي” الذي حرره ضمن الصحافة الأكاديمية كلّ من “ألينا بليشر، والكسندرا بيلكن” حيث يستكشف هذا الكتاب الأسس والتقاطعات المادية بين وفرة المواد الخام الحرجة ونظم الطاقة ضمن السياقات الإقليمية والعالمية. كما يناقش الكتاب بشكل نقدي قضايا تبدو من المسلّمات، مثل مفهوم الأهمية، ومقاربات تقدير الحاجة إلى المواد الخام، وتأثير تطوير الطاقات المتجددة على تعاظم الصراع حول الموارد. وأيضا كتاب “جون إريك ماير” المعنون بـ “تحول الطاقة المتجددة: حقائق مقدمة لكندا وللعالم” يقدم الكتاب منظورًا تاريخيًا لتطور نظم الطاقة في مراحل “ما قبل الكربون و ما بعده”، ويصف قيود الموارد المادية وميزانيات الطاقة والحقائق المناخية التي ستحدد إمكانية أي انتقال إلى منظومة الطاقات المتجددة. ومن أهم ما يتناوله هو التأكيد على الحقائق السياسية والاجتماعية والإقتصادية، حيث يجب أن تمتثل السياسات لوقائع القوانين الفيزيائية وحقائقها، مثل “عائد الاستثمار” في الطاقة في أية منظومة كانت. كما يستكشف “جون إريك ماير” المفاهيم والمصطلحات المضللة التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من المجتمع وتميل إلى إملاء توصيات جاهزة و صياغة مقولات ضاغطة بما يصنع نظم سياساتنا بشكل مشوه، بالإضافة إلى قضايا اللغة والمصطلح والخطاب والأهداف الاجتماعية العامة والشخصية الضيقة والمقاييس المعتادة والشائعة التي يجب تغييرها قبل أن البدء في مباشرة أي “انتقال مادي” بالمقاييس المطلوبة.

من خلال هذه القراءات المقتضبة ندرك بأن “الانتقال الطاقوي” المجسد لمنظور “الانتقال الطاقوي الآمن والسلس والمربح والمستدام والمبني على إعطاء مساهمة أكبر للطاقات المتجددة” هو انتقال منظومي كلّي وشامل ومتعدد المستويات والجوانب والقطاعات، يستدعي حشد مختلف عناصر “المنظومة التشغيلية”. لذلك ينبغي لنا التنبه بأن “الانتقال الطاقوي” ينبغي أن يكون تحولا جوهريا ومنهجيا في نموذجنا الوطني لإنتاج واستهلاك الطاقة، و بالتالي فهو تحول هيكلي و ممتد فيما بين القطاعات نحو مزيج مرن من الطاقة يكون ذي تماسك منظومي و موثوقية هيكلية و مقبولية اجتماعية و نجاعة اقتصادية، مزيج طاقوي ينأى بكينونته تدريجياً عن الوقود الأحفوري، لكن لا يناصبه العداء، ولا يستعديه، بل يتغذى من منافعه و منظومته القائمة.

 

  1. الإنتقال الطاقوي لا ينبغي تصوره “عملية ميكانيكية” لإحلال محطات ..

الإنتقال الطاقوي ليس عملية ميكانيكية مجردة .. بل ينبغي لنا النظر إليه كـ”صيرورة حيوية”، لأنه في حقيقته “انتقال منظومي”، وليس مجرد إقامة محطات لتوليد الطاقة من مصدر متجدد. حين نستحضر هذا الأمر، سنجد أنفسنا ضمن السياقات الصحيحة والسليمة، والتي تتعاطى مع “الإنتقال” في منظوره من “نموذج طاقوي قائم” معروف المكوّنات والخصائص والتمفصلات والنجاحات والمشكلات والإخفاقات والتحديات، إلى “نموذج طاقوي جديد مبتكر وتنموي”، و من الحكمة والرشد العمل على تحديد الإختلالات الموجودة في “النموذج القائم” والتي تدفع بنا إلى الإنتقال منه إلى نموذج جديد، مع العلم بأن هذا النموذج الجديد سيجري إحلاله في نفس فضاء النموذج القديم، وهنا يتعيّن بداية معالجة الإختلالات الموجودة حتى لا يتم سحبها إلى داخل قلب النموذج الطاقوي الجديد، وبالتالي سنورث العلة و نعيد استنبات الإخفاقات، وتصبح لدينا “إختلالات موروثة” تعرقل جودة المنظومة الطاقوية الجديدة. وهنا يمكننا في المقام الأول، استحضار ما يتعلق بالشبكة الوطنية للكهرباء، أين ينبغي مباشرة عمل مستعجل لتجديدها وتجويدها والرفع من كفاءتها، قبل التفكير في تعزيز قدرات الإنتاج الكهربائية من أي مصدر متجدد، لأن شبكتنا الوطنية للكهرباء تتركز على طول الشريط الجغرافي لشمال الجزائر، أما جنوبنا الكبير، والذي يوجد به أكبر كمون شمسي، فتتوجد به شبكات فرعية معزولة.

وبإعتبار “الإنتقال الطاقوي” هو تحوّل منظومي، فإنه يستدعي منطقيا عدة “انتقالات وتحولات”، كالتحول الرقمي والصناعي وما يرتبط بهما من أنظمة (التطور الاقتصادي والتكنولوجي) ومن تحديات الموارد (المعارك المستقبلية حول المعادن الأساسية والإستراتيجية والحيوية والحرجة و فلزات الأتربة النادرة)؛ و تحول مجتمعي، بما يؤدي إلى تغييرات عميقة وجوهرية و تشكيل لإتجاهات جديدة تعزز أنماط الاستهلاك الإيجابي والمسؤول، وتأسيس ممارسات جيدة في نمط حياتنا و رفاهنا الاجتماعي والاقتصادي.

 

  1. ينبغي المسارعة إلى “تصويب منظور الإنتقال الطاقوي”

حين الحديث عن “الخصوصيات الوطنية” التي يخضع لها هذا الإنتقال الطاقوي المنظومي، تكمن أهمية التنبه إلى الإختلاف الجوهري في طبيعة التحديات الطاقوية لكل بلد، ففي ألمانيا لا يزال الفحم يحتفظ بحصة 38 في المائة من المصادر الطاقوية الأولية وفقًا لدراسة أجراها معهد فراونهوفر للعلوم التطبيقية. أما الهند التي تسعى جاهدة للتحول إلى الطاقة المتجدّدة، فلأنها تعاني من وطأة الفحم، حيث لا يزال الفحم الحجري يشكّل مصدر الطاقة الأساسي لديها بنسبة 56 في المئة، أي أن استخدام الهند للفحم أعلى من المعدّل العالمي (البالغ 27 في المائة) بمرتين، كما أن الهند تستهلك 12 في المئة من إجمالي الفحم الحجري المستهلك عالميا، ولا تزال تستحوذ على  70 في المئة من إجمالي نمو استهلاك الفحم في العالم، كما أنها تعتبر رابع منتج للفحم الحجري ..!!، لذلك يجري التحول في الهند إلى مزيج من الغاز الطبيعي والطاقات المتجددة. بينما نحن عندنا في الجزائر فإن أزيد من 90 في المائة من كهربائنا تنتج من الغاز الطبيعي، وبالتالي يتعين علينا تعزيز هذه القاعدة المتاحة والمتوفرة لتحقيق الإنتقال السلس نحو “نموذج المزيج الطاقوي” الذي يشكل فيه الغاز الطبيعي نسبة محترمة وهي موجودة وجاهزة، والعمل على خفض نسبتها لصالح الطاقات المتجددة.

ومع استحضارنا للمعدل القياسي العالمي في ربط الساكنة بالكهرباء الذي حققته الجزائر، فإننا هنا نتحدث عن ربط “الساكنة” بالشبكة التي تتغذى من المصادر التقليدية، بينما في موضوع الطاقات المتجددة فإن الأمر يتعلق بمحطات إنتاج بعيدة عن الساكنة، لذلك من الضروري التنبه لهذا الفرق الجوهري في المقاربة والتحليل بين نظم تنبني على التمركز والنظم المتجددة القائمة على “دمقرطة الطاقة”، لكنها ضمن سياقات تتسم بالتطور المتسارع، بل بصوره المتطايرة و المتشظية، حيث نجد مثلا، نوع وطبيعة التكنولوجيات التي ستستخدم في محطات إنتاج الطاقة من مصادر متجددة، تشهد تتطورا متسارعا ومذهلا وتحسينا متواصلا في مردوديتها، وهذا ما يجعل ميّزة الأفضلية متاحة للمنتج للتجهيزات والمعدات وليس للمستخدم لها، الأفضلية للبائع و ليس للمشتري والمستهلك النهائي، فما تقتنيه اليوم سيصبح متقادما ومتجاوز تكنولوجيا بعد خمس (5) سنوات ..!!. كذلك ينبغي الإدراك بأن هذه التكنولوجيات يجري اعتماد خصائصها في بيئة مغايرة لبيئتنا خاصة في الهضاب العليا وفي المناطق الصحراوية، حيث درجة الحرارة العالية وتحدي زوابع الرمل والتي تؤثر على جودة التجهيزات وتفقدها مع مرور الوقت أهم خصائصها الفيزيائية، فمع أي اختيار لتكنولوجيات ذات كفاءة وجودة عالية، يتوجب اختبارها في بيئتنا وفي عدة مناطق من الوطن.

 

  1. الإنتقال من “أطلس المكامن الطبيعية” إلى “أطالس القدرات الإقتصادية”

من موجبات الانتقال الطاقوي، نستحضر ضرورة الإنتقال من “أطلس المكامن الطبيعية” ومن “خرائط الكمونات المتجددة للطاقة” إلى “أطالس القدرات الإقتصادية”، أي ضرورة وأهمية الانتقال إلى “الخرائط الاقتصادية لهذه الكمونات” من خلال انجاز “خرائط الجدوى الاقتصادية لهذه الكمونات الطاقوية”. فلم يعد مجديا الحديث فقط على امتلاكنا لأعلى وأكبر “مكمن شمسي”، بل يتوجب علينا، على الأقل، وكأول مسعى مستعجل و ممكن، العمل على مطابقة خرائط “الكمون الشمسي” مع “خرائط الإستهلاك الطاقوي”، من خلال معاينة “فرط استهلاك الطاقة” خاصة في فصل الصيف”، فالمعاينة الميدانية والتقنية ترشدنا إلى التطابق بين “فترات الإشماس الأعلى” و “فترات ذروة إستهلاك الكهرباء”. ففي مناطق جنوبنا، ترتفع درجة الحرارة بشكل لاهب، مع التذكير بأن بعض ولايات الجنوب تربعت على هرم درجات الحرارة العالمية خلال فترة الصائفة الماضية، على غرار ورقلة، حاسي مسعود، عين صالح، والساكنة بحاجة إلى مكيفات وتهوية وتبريد لمواجهة لهيب الصيف، وفي نفس الوقت نجد مقدار الإشعاع الشمسي هو الأعلى على الإطلاق في هذه المناطق الصحراوية، كما نجد في هذه المناطق أن فترات الذروة في الطلب على الكهرباء تتطابق كلية مع فترات أعلى “اشماس”، لذلك يكمن الحل ببساطة في إقامة محطات للطاقة الشمسية الكهروضوئية خصيصا في هذه المناطق، وكلما استهلك السكان الكهرباء بشكل أكبر، كلما تعاظمت فضائل المحطة الشمسية ومردوديتها الاقتصادية و تجويد استغلالها وتشغيلها، وهذه عناصر تقنية يعرفها كلّ مختص ومشتغل في حقل الطاقات المتجددة، وهذا بعد هام جدا في “استهداف عمليات ميدانية ممكنة لإنتاج الطاقات المتجددة”.

 

  1. “الإنتقال الطاقوي” ينبغي أن ينبني على مقاربة “الإنتقال الاقتصادي”

ضمن منظور “الانتقال الطاقوي المكيّف بخصوصيات الوطنية”، نجد بأن أول حتمية ينبغي التكفل هي “المنظومة التشغيلية”، وعلى الخصوص عديد الجوانب المتعلقة بتعزيز الشبكة الوطنية للكهرباء وسلاسة نظام تشغيلها وخصائص الربط الكهربائي، قبل التفكير في أي مسعى لانتقال طاقوي سلس وناجح. فمن الحتمية بمكان وضع الإطار الضابط والمعياري لفتح سوق الكهرباء، والتوسع في شبكة المنتجين الخواص والمستقلين، بما سينتج عن ذلك تعدداً وتنوعاً في نقاط الإنتاج والضخ للطاقة الكهربائية في الشبكة، وهنا يتوجب تنصيب الهيئة المخول لها التعامل بصفتها “مشغل سوق الكهرباء”، مع بذل مزيدا من الجهد المضني لتجميع وحشد القدرات الوطنية المؤسساتية والبحثية والبشرية العاملة في حقل الطاقات المتجددة وتلك المشتغلة على إشكالياتها وعوائدها، وأيضا تجنيد ومرافقة الفاعلين في الحقلين الاقتصادي والصناعي، ومختلف الخبرات الوطنية التي استثمرت جهدها وفكرها وخبراتها ورؤوس أموالها في المشاريع المرتبطة بالطاقات المتجددة والفعالية الطاقوية، بناء قدرات وطنية (هيئات، أجهزة، معايير، كفاءات) في مجال إقرار المعدات و التَصْديق عليه، ومنحها شهادات السلامة والموءامة، وضع مدونة معايير مرجعية، القيام بإجراء دراسة معمقة لسوق الكهرباء جهويا (مغاربيا، متوسطيا، أوروإفريقيا)، وتقييم الجدوى الإقتصادية لإمكانية تصدير “الطاقة الكهربائية” وتحديد جوانب الربحية والتنافسية، قبل التفكير في تجسيد مشاريع الطاقات المتجددة، بما يستوجب التوجه كأولوية إلى إنشاء “مؤسسة وطنية للمشاريع الكبرى للطاقات المتجددة” تكون لها صلاحيات ممتدة أفقيا فيما بين القطاعات، حيث يوجد لدينا 15 قطاعا وزاريا، على الأقل، معنيّاً مباشرة ومتدخلا في مجال الطاقات المتجددة، و تُمثل هذه المؤسسة دور الوسيط المسهل والمرافق للمنتجين المستقلين للطاقة الكهربائية عن طريق المحطات الكهروضوئية (و لاحقا، غيرها من المصادر المتجددة) مع مختلف الشركات الفرعية التابعة للشركة الوطنية سونلغاز. و من بين العناصر ذات الأهمية التي تستوجب إنشاء “مؤسسة وطنية للمشاريع الكبرى للطاقات المتجددة”، كون هذه المؤسسة الوطنية ستكون مخوّلة ومؤهلة للتعاقدات وإمضاء الصفقات بخلاف الإدارات المركزية للقطاعات الوزارية التي لا تمتلك هذه الصفة.

 

  1. الإنتقال الطاقوي .. من مرافعات الخطاب .. إلى روافع الإقتصاد

مستقبلا نحن أمام تحدي العناية بتثمين مختلف كمونات المصادر الطاقوية الوطنية (متجددة، تقليدية، وغير تقليدية)، وحتى المتجددة منها بالجزائر لا تعني فقط الطاقة الشمسية، بل هناك العديد من المكامن والمصادر التي يمكننا بناء أقطاب اقتصادية حولها. إن وضع “نموذج طاقوي مستدام” يستوجب هندسة “نموذج وطني للاستهلاك الطاقوي المسؤول المستدام” وتوصيف عناصره، قبل مباشر الحديث عن أية عمليات تندرج في إطار مسعى الانتقال الطاقوي، وإلا فإننا سوف نبقى في حالة من “يتملكه هاجس الإنتقال” حتى ولو كان ولوجاً في “الفراغ”.

في انتظار وضع “استراتيجية وطنية طاقوية”، قبل تخطيط أية برامج قطاعية مستقبلية، وأيضا تحديد الأبعاد الاستراتيجية لـ “الإنتقال الطاقوي” الممتد فيما بين مختلف القطاعات والمستويات في بلدنا، بما سيخرجنا من دائرة الانطباعات والمحاولات.

ختاما،

أجد من الضروري التأكيد مجددا على أن الإنتقال الطاقوي ينبغي أن يكون خادماً لـ “الإنتقال الاقتصادي” ومغذيا له بشكل دائري، ورافعة قوية ضمن مسعى “الإنتقال نحو اقتصاد جديد، متنوع، نامي، ومستدام”، رافعة له من حالة الإنعاش إلى الإنبعاث، والنشوء ثم التوسع والريادة.

ويبقى ضمان أمننا الطاقوي هو حجر الزاوية في منظومة أمننا الشامل (الأمن الطاقوي، والأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي، والأمن الصحي، والأمن الرقمي، والأمن الإجتماعي، والأمن الإقليمي).

مقالات متشابهة