25 فبراير، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

تراجيديا الفتوى …. (4) سطوة الإعلام

عند التدقيق العلمي المتتبع للظاهرة الاجتماعية، يلتقى الإعلام بتنوع أدواته وأساليبه مع الفتوى بمختلف مستوياتها في موضوع (الاستهداف)، ما يجعل من حالات التشابك اليوم تأخذ أبعاد جديدة وتداعيات خطيرة، ما يجعل من الاشتغال عليهما أقرب إلى المجازفة محفوفة المخاطر المهلكة، خاصة عندما يكون التوجه موحد بين الفتوى والإعلام في استهداف الشأن العام في كل مكوناته.

إن العملية الإعلامية الحديثة، أخذت بعد الفرجة بخضوعها لسلطة المتفرج، الذي تجاوز المفاهيم الكلاسيكية للمستهلك والجمهور وغيرها من تلك العتبات، التي أزاحتها الثورات التكنولوجية الاتصالية الجديدة، التي تراكمت فيها المكونات الفلسفية والثقافية للرأي العام، مما جعل من ديناميكية السبق الصحفي والحصول على متعة المتفرج، الهدف الأسمى ومن انطباعاته الحكم النهائي لطبيعة العمل الإعلامي، الأمر الذي منح المتفرج سلطة جديدة طالما تم تحييدها لسنوات طويلة، وتعاظمت تلك السلطة في مناخ وأجواء المجتمعات المرشحة للانخراط الإجباري في عالم الإعلام الجديد، دون أن تتمكن تلك المجتمعات من التخلص من عوالق التخلف ومثبطات الانحطاط.

في مقابل ذلك، تنتصب الفتوى بكل محمولاتها الثقافية والاجتماعية والسلطوية، كونها معطى استهلاكي لا يتوفر للمجتمعات المتخلفة على غيرها من المنتوجات الاستهلاكية المثيرة لشهوات التسابق على اكتساب سلطة المتفرج من طرف المواطن، الفاقد لكل فرص امكانية الحياة التي تؤكد كل المؤشرات أنه لا يمكن الحصول عليها من طرف تلك المجتمعات، أو توفيرها في مناخاتها، بداية من الفشل الذريع الذي منيت به كل شعارات ومشاريع امكانية (دمقرطة تلك المجتمعات) بسبب التصور المسبق لتلك المشاريع بأنها تستهدف سلبها من مكونات هويتها الذاتية وتدمير البقية الباقية عندها.

في هذه الأجواء تجلت الفتوى باعتبارها المعطى الوحيد المتوفر للحياة وشغل الأوقات، ومنحت الفرصة للجميع للانخراط في تفاصيلها، ليس باعتبارها محمولا تاريخيا وأداة من أدوات التكيف مع العصور، فانتقلت إلى مستويات أخرى، تتمثل في تلك العمليات القتالية للظفر باستمالة سلطة المتفرج والتنعم بخيراتها، وبسرعة تفطن البعض إلى تأثيراتها الاجتماعية، والتعامل مع الانطباعات الميزاجية للفئات الاجتماعية الجديدة، التي لا تمتلك سوى محاولات الاستيلاء على أكبر قدر من مساحات الشأن العام، وبالذات تلك المساحات المفيدة منه على وجه الخصوص.

وفي الانخراط الإكراهي للمجتمعات المتخلفة في عوالم الإعلام، وجدت نفسها تحت صدمة جديدة تمثلت في الثورة الاتصالية التكنولوجية التي استطاعت أن تجلب إليها الأجيال الجديدة وتحقق معها أشواطا كبيرة في التكيف مع معطياتها، لتنزوي الأجيال الكلاسيكية في دوائر الفتوى، كجدار سميك لاحتماء بتحصيناتها، عليها تحصل على بعض ثمرات سلطة تمثيل الشأن العام، وبمرور الوقت تعاظمت (سلطة المتفرج) التي فتحت الأبواب على مصرعيه لكل عاشق في بريق السلطة وثمرات الحضور الاجتماعي، فتحولت الفتوى إلى (تشكيك) في كل ما هو قائم وابتكار كل (غريب) وصادم للتحولات الطارئة في هرمية المجتمعات المتخلفة، فظهرت (شهوة الفتوى التصريح) وتزايدت مساحات الحضور في مساحات الشأن العام، وبدأت اكراهات الإعلام الجديد تمارس فعلها على المؤسسات الصحفية، التي اضطرت إلى الضغط على أجيال الفتوى، سواء بتشديد الخناق على التقليدي منها أو التوجه نحو صناعة أسماء جديدة للاستثمار فيها، والسعى للحصول على المزيد من الأرباح والريوع، لمواجهة التحديات الاقتصادية الزاحفة.

مقالات متشابهة