28 مايو، 2020
الحوار الجزائرية
مساهمات

سياسة الإعلام في منهج النبي صلى الله عليه وسلم

الإعلام كما يعرّفه البعض: ” الأسلوب المنظّم للدعاية السياسية، أو الترويج لأفكار في وسط مهيأ نفسيا “، كما يُعرّف بأنّه الوسيلة الاجتماعية للتواصل مع الجماهير، أو هو نقل المعلومة عبر القنوات والوسائط إلى الجمهور، وأصبحت من أهم وظائف وسائل الإعلام اليوم تشكيل الرأي والتأثير فيه، عبر الضخّ أو النقد أو التعليق على الخبر، أو حتى عبر فضاءات الترفيه والتسلية.

ومنذ الحضارات القديمة والإعلام ببساطة وسائله يلعب دورا مهما في الترويج لأفكار معينة، ونقد أفكار أخرى مخالفة.

وقد نشأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم في بيئة عربية تُعنى بالشعر وتقيم له المنابر، وتعلّق أجود القصائد على ستار الكعبة، كما علقت السبع من القصائد الجاهلية المعروفة لزهير بن أبي سلمى، وامرؤ القيس، والحارث بن حلزة، وطرفة بن العبد، وعنترة بن شداد، وعمرو بن كلثوم، ولبيد بن ربيعة، الذي أعجب النبي صلى الله عليه وسلم ببيته:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل ..وعلّق على شطره الثاني: كل نعيم لا محالة زائل، بقوله :” نعيم الجنة لا يزول”.

وكانت الأسواق في عكاظ خصوصا، وفي هجر ودومة الجندل والمشقّر وغيرها، معرضا للشعر، تتناقله الناس وتسير به الركبان. وكانت القبيلة التي لا تملك شاعرا مثل البلد الذي لا يملك قناة، فقبيلة “أنف الناقة ” كانت تشعر بالدونية والنقص من هذا الاسم، حتى مدحهم شاعر فقال:

قوم هم الأنف والأذناب غيرهم   ومن يساوي بين أنف الناقة الذنب

فأصبحوا يرفعون رؤوسهم إذا سئلوا من القوم؟، فيقولون: ” نحن من أنف الناقة التي قال فيها الشاعر كيت وكيت”، فاهتم النبي صلى الله عليه وسلم بالشعراء واتّخذ ثلاثة من أشهرهم يذودون عنه وينافحون عن الإسلام (حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك)، ونصّب لحسان منبرا في المسجد كما جاء في الحديث الصحيح، وقال له:” نافح عني ومعك روح القدس”، فالإعلام منافحة ودفاع ورد على الأباطيل والإرجاف، ونقل للصورة الصحيحة عن الدين الجديد والأفكار الجديدة، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم تأثير كلمة الإعلام (الشعر) في قريش فقال: “اهجوا قريشا فإنه أشد عليهم من رشق النبال”.

كما اهتم بالخبر والتأكّد من مصادره ووثوقيته قبل بناء أيّ حكم عليه، فقد جاء التوجيه: ” إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا”، وأثناء الفتنة كان يعمل على شغل الصحابة عن التركيز في الأخبار الكاذبة، فيسير بهم دون توقف حتى ينال منهم التعب ولا يجدوا فرصة لاجترار الأخبار الملفقة والمزيفة، كما حدث بعد رجوعه من المريسيع، وخبر حديث الإفك ضد عائشة رضي الله عنها، ولم يسكت عن أباطيل اليهود وإرجاف المنافقين، فكان يرد ويوضّح، والقرآن يدعمه في ذلك ويسنده، فثلث القرآن ردود على الأباطيل والإرجاف، وتلك من أهم السياسات الإعلامية الناجحة، فقد ردّ القرآن على فرية قريش عندما وقع خطأ من سرية أرسلها النبي فباشرت القتال دون أن تدرك أن الشهر الحرام قد دخل، فقد أرسل عبد الله بن جحش في 17 رجلا ونشب قتال وقتل دون علم بدخول شهر رجب، فرفعت قريش عقيرتها تعلن أن محمدا ينتهك الحرمات ولا يبالي بالمعاهدات والعقود،  فنزل قوله تعالى: ” يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير”، فأقرّ القرآن بحرمة الشهر وتبجيل تلك العادة، لكن جاءهم الرد القوي، بقوله تعالى معقبا: ” وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل”، فكشف جرائمهم في الحرم وعدوانهم عن المؤمنين، وفتح سجلهم الإجرامي من القتل الجماعي والمنظم للمؤمنين .

وظل القرآن على هذا المنهج يساير حركة النبي ويعلمه الرد على كل خبر مزيف، أو دعاية مفبركة،  أو محاولة لتشكيل رأي عام ضد الدعوة الجديدة.

فالإعلام سلطة رابعة ومؤثر حيوي في الجماهير، وأحد أدوات سياسة “وقلبوا لك الأمور”، فاعتنى النبي بالترويج الجيد لدعوته، عن طريق الكلمة والخبر، والمثال والقصة التي تتناقلها القوافل والإخباريون ورواد الأسواق، كما اعتنى بتتبع مصادر الدعاية ومراكز ترويج الأخبار الزائفة، وكشف سترها وهتكها بالحقائق والأمثلة الواضحة، وبالمحاججة العقلية وبالحضور في مساحة الخبر الذي تتناقله القصائد والأخبار، فبعد نكسة أحد وصعود الصحابة إلى الجبل جاء أبو سفيان ووقف منتشيا وقال : ” أعلوا هبل “، فقال النبي: ” ألا تردون عليه؟”، قالوا: ” وما نقول؟”، قال: ” قولوا الله أعلى وأجل، الله مولانا ولا مولى لكم “، قال أبو سفيان “يوم بيوم يا محمد”، فقال النبي : ” ألا تردّون عليه؟”، قالوا: “وما نقول؟”، قال: ” قولوا: “قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار “، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على الرد رغم الألم، ورغم النكسة، لأنه يعلم أن هذه قصة ستتناقلها الأخبار فيريد حضوره الإعلامي عند المستمع، بمثل هذه العزة وهذا الشموخ والتحدي، والحرب النفسية أقوى أنواع الحروب، فالنبي صلى الله عليه وسلم موعود بالنصر والتأييد من عند الله، يعلم أمته الأخذ بالنواميس والقوانين الاجتماعية في التدافع والتمكين للحق، فقد شاءت حكمة الله أن يتم التمكين على أيدي المؤمنين، ومطلوب منهم البذل والعطاء والتضحية، وقبل ذلك مطلوب منهم امتلاك عقل وقدرة على التفكير والتخطيط، فتلك مناهج نتعبّد الله بها.

مقالات متشابهة