7 مارس، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

تراجيديا الفتوى …. (1) القاموس

يتفق المتابعون للشأن الديني في الجزائر أن ممارسة الفتوى تمر بمرحلة تثير الشفقة والاشمئزاز، لما بلغته من درجات المأساة، ولما توصلت إليه من انحدار أخلاقي وذوقي في النسق التاريخي، جعل منها وسيلة تندر أحيانا، وفي أوقات أخرى موضع استغلال مصلحي، بمجموع مضامينها ودلالة محمولاتها، ويكون التوقف عند قاموسها كاشفا عن تراجيديتها.

والمعلوم أن ضبط المصطلح من أهم العوامل المساعدة على تحديد المعاني المراد الوصول إليها، وهي القادرة على تكون الرؤية الكافية الدالة على الطريق السليم، نحو بلوغ الأهداف التي تنشدها المنظومة المعرفية الإنسانية، بعيدا عن الفوضى والاستغلال غير الطبيعي للألفاظ المتداولة، وهو الحرص الذي دأب عليه المؤسسون للمنظومة المعرفية الإسلامية منذ البداية.

إن المعنى المركزي للفتوى في المنظومة المعرفية الإسلامية، لا تخرج عن نطاق ذلك الجهد الدقيق والمنضبط، الذي يبذله المجتهد (المثقف المتخصص العضوي) في موضع مواجهة مشكلة طارئة في الحياة اليومية، تتعلق بالسلوكات البشرية، من أجل توفير حلول مؤقتة ومتناسبة مع معطيات الوضع القائم، ولا تخرج بأي حال من الأحوال عن الطبيعة البشرية، في إطار المقاربة مع معاني النصوص الشرعية (القرآن والسنة) المفتوحة على المستوى الجمالي والمقصدي للحياة الكريمة.

ويظهر الانحدار الأخلاقي عندما يتجاوز بها منتجها أو مستهلكها حدودها البشرية الزمنية الاجتهادية، إلى فضاءات المقدس السماوي ويجعلها (حكم الله) الذي يفترض الانقياد له والمسارعة إلى تنفيذه في الوقت الذي يكون الفرق شاسعا وبعيدا عن المعقول والمنطقي من الأشياء، فتظهر الفوضى عندما يتم دمج المعنى المطلق (حكم الله) وبين المعنى النسبي (جهد المجتهد) ، وهو يفتح المسارب أمام تلك الحالات من الاختلال التعسفي في المنظومة اللفظية القاموسية، فتتزاحم مصطلحات (الفتوى ـ الموقف الشرعي ـ الرؤية الفقهية ـ المنتوج الاجتهادي ـ دلالة النص …).

وتتم التضحية بقدسية المصطلح، عندما تتخلى المسؤولية التكوينية على واجباتها المعرفية والأخلاقية، وتترك المسار على حالة الانسياب، فتظهر عبر العادة تلك المساوئ المؤلمة للتعامل مع موضوع (الفتوى) وما يتبعها من تلك المصطلحات المكونة للمنظومة المعرفية، والتى لا تتوقف دلالتها على ضوابطها المعرفية، بل تتعداها إلى التداول اليومي، وما يتعلق بها من تأطير السلوكات اليومية والمعاني المحددة لها في فضاء الشأن العام.

وتزيد تراجيديا الفتوى تداخلا بعد غرق قاموسها في غيوم التداول الإعلامي المتسارع، عندما يتم الزج بالفتوى في أتون الأشخاص وتربط تعسفا بهم، دون أن تتفطن المؤسسات المستأمنة، لخطورة الربط التعسفي بين الجهد البشري وبين الأشخاص والأفراد، لتبرز صرخة مالك بن نبي، في تحديد المستوى الخطير من التخلف، عندما تكون الأمة منشغلة أثناء مسيرتها التاريخية بمشكلة الأفراد والأشخاص، بعيدا عن الأفكار، وهو الممارسة الإعلامية اليومية عندنا.

إن التجاوز المؤلم وغير الأخلاقي لحدود مصطلح الفتوى، يتجلى في تلك الحملات الإعلامية، التي تحرص المؤسسات الصحفية، على الظفر بالمزيد من المساحات الريعية، بطريقة تتميز بشراهة السبق، وتوريط المنتج للفتوى في دوامات الشراهة الربحية، لتكون النتائج تلك الكوارث المعرفية والتشتت التدميري للرأسمال الرمزي، المساهم في البنية الأساسية في ضمان استمرارية النظام الاجتماعي العام.

مقالات متشابهة