25 فبراير، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

الشقاء الأدبي داخل المجتمع

بقلم: جمال نصرالله

في الدول التي تشقى فيها العقول وتزدهر بالمقابل وتزهو البطون والغرائز، هناك بلا شك خلل قائم في البُنى التحتية، ولدينا في هذا الشأن عدة أدلة من خلالها نستطيع أن نحكم ونطلق نعوتا قيمة على رأس هذا المجتمع أو ذاك؟ لكن حتى يبقى موضوعنا مضبوطا ومحتكما لطرحه نأخذ عينة حية في هذا الوطن الحبيب المهدر لدموعنا من الداخل وهي ظاهرة أنه منذ أزيد من 30سنة لا وجود لأثر مجلة أو دورية أدبية استطاعت أن تصمد أو تشكل جمهورا عريض السعة، فعلى الرغم من عدة محاولات من بعض الغيورين الذين فيما بعد ركنوا للواقعية المُرة وقصدنا بمرارتها هي حقيقتها التي لاتبتغي مزاحمة من أيا كان، بسبب أنها وضعت أذرعها الأخطبوطية على كل مفاصل هذه الدولة شبه الحديثة، وفيما بعد طلعت علينا شعارات تترجى وتتوخى أن تصبح وتكون دولة المؤسسات، ولسنا ندري قبل هذا ماذا كانت (هل هي دولة المزارع أم دولة المافياويات أم دولة الفلاحين) عشنا الإقطاع طيلة 132 سنة ثم عاود نفسه والعياذ بالله كالفيروز القاتل وبلون آخر ومتخفٍ لأن الإقطاعية هي نزعة عقلية متوارثة ويستحيل استئصالها إلا بفعل الثورات التي تُعلي من شأن المثقف العضوي وتترك له حرية القرار. وأن تظل القطاعات الأخرى تابعة له وتحت إمرته مثلما حدث مثلا في الثورة الفرنسية 1789 التي قادها كبار الأدباء والفلاسفة، وإذا عدنا إلى موضوع المجلات الأدبية بحكم أننا استعملناها كمعيار لقياس مدى ثقافة ومقروئية المجتمع، نقول بأنه تقريبا في جل الدول العربية هناك دوريات محترمة حافظت على بقائها وديمومتها لأزيد من نصف قرن، والسبب في ذلك هو الرعاية الدائمة من طرف الأنظمة وبعض المؤسسات، الجزائر صراحة نموذج نادر ومحيّر أمام الباحثين الذين يذهب بهم الخيال إلى أن أصل المشكل هو في الغياب الكلي لهذا النوع من الرعاية التي من المفروض أن تكون والدليل على هذا هو ما كان موجود إبان السبعينيات من القرن الماضي، حيث كانت الدولة تولي اهتماما ليس بالهين لمفهوم التثقيف وكأن به إجباري وموجه للتلقين والتلقي المفروض، تجارب كثيرة جاءت بعد التعددية ليس فقط تجربة الجاحظية وجمعية إبداع ولكن مبادرات من هنا وهناك قادها بعض المفكرين والباحثين لكنها كانت لا تتعدى عددها الثالث والرابع حتى تزول وتنقرض، وهي بحركيتها هذه تشبه المد البحري الهاديء الذي سرعان مايصطدم بصخرة عملاقة تمنعه من التقدم والانتشار؟ المبررات التي سمعناها من أصحابها تكون أقرب للحقيقة مئة بالمئة لأنه لا يستطيع أحد أن يفضل أن يدفع من جيبه مقابل أن يتثقف الآخر، ولا وجود لتضحية إذا تعلق الأمر برغيف الخبز، وبعض الملاحظين اعتبروا هذا الانتكاس مقصودا وأن سياسة التجهيل مبرمجة لأن وجود مجتمع مثقف من شأنه أن يفرض الوعي على جميع الأصعدة منها الوعي السياسي الذي يزاحم بعض الأطراف التي لاتبتغي مغادرة الكرسي بل تريده إرثا أبا عن جد ومكسبا عائليا وهي التي حازته بكذا طريقة ؟

بهذا التفسير البسيط نستطيع أن نلخص حال هذا البلد الذي عاش فيه الأدب شقيا وهو لايزال كذلك، ولا يستطيع أحد تدارك الأمور إلا بقدرة قادر، حيث يتراجع دور العلم والمعرفة وتطفو على السطح كل أنواع الرداءة والتفاهة وهذا مايريح الأطراف التي أشرنا إليها آنفا لأنهم يريدون مجتمعا سطحيا مهترئا هزيلا في منظومته التربوية وتائها في توجهاته الثقافية، بل مخدرا داخل مستشفى مفتوح على مصراعيه أسهل شيء هو طريقة الدخول إليه والعيش به مجانا ؟

شاعر وصحفي جزائري

djamilnacer@gmail.com

مقالات متشابهة