26 نوفمبر، 2020
الحوار الجزائرية
مساهمات

المرجفون المحترفون خطرهم على المجتمع كبير!

الأئمة يحذّرون …

بقلم :  قسول جلول
المرجفون المحترفون في   إذلال الناس وتخويفهم بالإشاعات والكذب، هؤلاء المرجفون سلاحهم الشائعات، وهي محرمة مذمومة، وصاحبها مذموم
مأزور، غير مشكور ولا مأجور، لأنها إن كانت مكذوبة مزورة، فإن الكذب حرام مجمع على تحريمه، بل هو من أكبر الكبائر وأشد المفاسد، وهو آفة قاتلة ما انتشرت في مجتمع إلا قوضت دعائم استقراره، وهدَّمت أركان أمنه، ونزعت الثقة بين أفراده.

فليس كل ما يقال صحيحاً، وليس كل ما يعلم يقال، وليس كل ما يسمع يذاع، وفي الناس ظلم وجهل، وفيهم حسد وكيد، وفيهم تعجّل وقّلة مبالاة، والسلامة لا يعدلها شيء. وقد قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم: “كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع”- رواه مسلم، فهم دعاة فتنة وضلال، ولو كانوا دعاة حق ونور لما تسببوا في تعطيل المشاريع   الاجتماعية   ونشر اليأس والقنوط   في مجتمعهم. هؤلاء يبيعون المخدر القولي والفعلي، ويقتلون في الإنسان أحسن ماعنده، وهو عقله ويجعلونه   يؤمن بالأوهام، ويأخذون   منه   كل   ما يملك بعد  أخذ عقله، يأخذون وطنيته، وثقته بمؤسساته، وبرجالاته، ويسوّدون الواقع ويعطون له   البديل.. أضغاث أحلام ووو… !.

العلامة بن خلدون، مؤسس ورائد علم الاجتماع في العالم، كتب في مقدمته الشهيرة في القرن الرابع عشر الميلادي، يقول: عندما تنهار الدول يكثر المٌرجفون والمنافقٌٌون والمدّعون والقوّالون، هدفهم إضعاف المجتمع وهزّ  أركانه بإدخال الشكوك   في كل   شيء!، في المرجعية   الدينية، في المرجعية   الوطنية، في الإقتصاد.. إلخ. هذه الحملات، وهذه العلامات، هي مقدمات لانهيار المجتمعات، ودليل على تردي المستويات وعدم العلمية، والواقعية، والموضوعية، والعقلنة، ومن ثم انتشار الأمراض والآفات الاجتماعية …

يقول الحق عز وجل لنبيه صلى الله   عليه وسلم (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك)- 49 من سورة المائدة. هذا الأمر التحذيري وُجِّه إلى أتقى الخلق وأخشاهم لله سبحانه وتعالى ضمن آية في سورة المائدة يأمر الله – سبحانه وتعالى – فيها الرسولَ – صلى الله عليه وسلم –   بأن يحكم بكتاب الله، ولا يتبع أهواء أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ويحذّره من فتنتهم بالباطل الذي يحاولون أن يدلسوا به ليوهموا أنهم على حق. ما أوضح التربية القرآنية وما أعظمها حتى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، رغم مكانته وعظمته منزلته ودرجة تقواه، ومعرفته بربه وطاعته له.

إن هذا أبلغ درس لنا للحذر من المشككين والمرجفين،   وأخذ الحيطة والحذر، لأن أصحاب الباطل يسعون إلى فتنة أهل الحق بباطلهم، ويحرصون على ذلك بطريقة أو بأخرى، وما أكثر تدليسهم، فلنكن نحن على حذر منهم ومن زيفهم وخداعهم وفتنتهم ” واحذرهم أن يفتنوك “، فهم دعاة فتنة وضلال، ولو كانوا دعاة حق ونور لما تسببوا في تعطيل المشاريع   الاجتماعية ونشر اليأس والقنوط   في مجتمعهم. ولأننا في وضعية أصبحت فيها  الفتن تقدم على أطباق من ذهب كما يقال، وراءها مؤسسات وجهات داعمة، بل وهيئات ومنظمات متخصصة في نشر الاضطرابات تارة باسم حرية الصحافة ووو، فإن الحذر يجب أن يضاعف، ولنكن أشد حذرا من الطائر يرى الحبة ويرى الشِّراك فتدفعه شهوة بطنه للحبة ويعقّله حذره من الفخ الذي نصب، فيفضل السلامة، بل لا خيار له غير الحذر، وإلا أصبح صيدا سهلا، فالمرجفون المتخصصون في الشائعات،  إما أن تكون موجهة ضد شخص، أو أسرة، أو جهة، أو مجتمع، أو أمة بأسرها، وقد تكون هذه الشائعات مختلقة مكذوبة، أو مبالغاً فيها، بحيث تجعل من الصغير كبيراً، ومن الحقير خطيراً، أو في نشرها وتداولها مفسدة وضرر، وإساءة وأذية للمجتمع. ولا يكاد يخلو مجتمع من هذه الشائعات السيئة التي يتلقفها ويتداولها، أو يختلقها ويروجها أناس فارغون يبحثون عما يشغلون به أوقاتهم، ولو كان في طياتها ضرر عليهم وعلى غيرهم، أو مغرضون مفسدون ينفثون من خلالها أحقادهم، وينفسون بها عن حسدهم وبغضهم، وينشرون مكرهم ومكايدهم، ويتخذونها سلاحاً لمحاربة خصومهم والإضرار بهم.

وهذه الشائعات السيئة، كلها محرمة مذمومة، وصاحبها مذموم مأزور، غير مشكور ولا مأجور، لأنها إن كانت مكذوبة مزورة، فإن الكذب حرام مجمع على تحريمه، بل هو من أكبر الكبائر وأشد المفاسد، وهو آفة قاتلة ما انتشرت في مجتمع إلا قوضت دعائم استقراره، وهدَّمت أركان أمنه، ونزعت الثقة بين أفراده، وإن المرجفين حين يروجون الإشاعات والكذب حينا بين العامة، ويذاع في المجتمع يتفاقم ضرره، ويتعاظم خطره، ويهلك بسببه كثير من الخلق، ولهذا كان عقاب صاحبه أليماً، وعاقبته خساراً وبواراً عظيماً، ومن ذلك ما حكاه النبي صلى الله عليه وسلم في رؤياً طويلة رآها، وفيها:

“فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصبح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى”، ثم قال في آخر الحديث: “وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، فيصنع به هكذا إلى يوم القيامة”- متفق عليه. والنصوص في تحريم الكذب والإشاعات والإرجاف وناقل الكذب والمروج له، سواء علم أو شك أنه كذب، أو أذاعه من دون تثبت ولا تمحيص هو أحد الكاذبين، لأنه معين على الشر والعدوان، ناشر للإثم والظلم، ولذلك قال ربنا ـ عز وجل ـ ناصحاً لعباده ومحذراً لهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا
أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. وإذا كان هذا هو الواجب في خبر المؤمن الفاسق، فكيف بخبر المنافق الحاقد، أو الخبر الذي لا يعلم مصدره، ولا عدالة قائله أو ناشره، كالأخبار والقصص التي تنشر عبر رسائل الهاتف النقال، أو شريط الرسائل في القنوات الفضائية، أو في بعض المواقع في الشبكة العنكبوتية، والتي لا يدرى من وراءها ولا أهداف القائمين عليها، ومدى إخلاصهم ونصحهم، وعدالتهم وصدقهم؟!، فليس كل ما يقال صحيحاً، وليس كل ما يعلم يقال، وليس كل ما يسمع
يذاع، وفي الناس ظلم وجهل، وفيهم حسد وكيد، وفيهم تعجل وقلة مبالاة، والسلامة لا يعدلها شيء، وقد قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم: “كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع” – رواه مسلم، وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: “بئس مطية الرجل: زعموا”- رواه أبو داود وغيره.

وحذّر من إلقاء الكلام على عواهنه من دون تأكد من ثبوته وصحته، أو نظر في مآلاته وعواقبه، ومدى تحقق الخير فيه من عدمه، فقال: “إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب”- متفق عليه.

وأما إن كانت الشائعة صحيحة واقعة، لكن في إذاعتها مفسدة وأذى، فإن ذلك محرم أيضاً، وليس ذنب ـ بعد الشرك ـ أعظم تحريماً، وأسوأ عاقبة، وأعجل عقوبة من أذية المسلم والإضرار به، والاستطالة في عرضه، وتتبع عوراته. فعن أبي برزة الأسلمي ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “يا معشر من آمن بلسانه, ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته”- حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وأحمد.
ويزداد الأمر شناعة وسوءًا، إذا كان في نشر هذه الواقعة إشاعة للفتنة، والتحريضٌ عليها، قال تعالى (والتقوا فتنة لا تصيبن الذين   ظلموا   منكم خاصة).

ومن هذه الشائعات الكاذبة المغرضة، ما يحصل من الشائعات الخطيرة التي تكثر في أوقات الأزمات والفتن: شائعات الإرجاف والتخويف، التي يراد بها توهين عزائم المؤمنين، وتثبيط هممهم، والفت في أعضادهم، والإرجاف بهم، وبث الرعب في نفوسهم، وإضعاف قوتهم، والتشكيك في قدرتهم على المواجهة والمصابرة، والمرجفون هم الذين ينشرون الشائعات الكاذبة، أو يبالغون في وصف الأزمات والتيئيس من   حلها في جميع   مناحي   الحياة، وقال ـ عز وجل ـ كاشفاً حقيقة هؤلاء المنافقين وأثرهم في الإرجاف والتخويف، والتعويق والتخذيل، ونشر الفتنة بين المؤمنين: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}، فبين أن وجودهم في صف المؤمنين لا يزيدهم إلا شراً وفساداً، وضعفاً وهواناً، وفتنة وفرقة، ويعظم البلاء حين يكون في المسلمين جهلة بسطاء، يسمعون لهؤلاء المنافقين المفتونين، فيتأثرون بإشاعاتهم، ويستجيبون لتخويفاتهم، ويصبحون أبواقاً لهم، وببغاوات يرددون أراجيفهم، وينشرون فتنتهم، ولهذا قال تعالى: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}، فيتولد من سعي أولئك المنافقين، وقبول هؤلاء الساذجين، من الشر والبلاء وتوهين عزائم المؤمنين وإرعابهم ما هو من أعظم البلاء على أمتهم، وأكبر المدد لأعدائهم. وقد أرشدنا الله تعالى إلى ما يجب علينا تجاه هذه الشائعات التي تخل بالأمن، وتجلب الوهن، وتحقق مراد الأعداء في تركيع المؤمنين واستضعافهم، وكسر شوكتهم، وتيئسيهم وقتل روح المقاومة في نفوسهم، فقال ـ سبحانه ـ: { وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ}، فأنكر الله تعالى عليهم خوضهم في الأمور العامة المتعلقة بالأمن والخوف، وإذاعتهم لأخبارها، قبل أن يتبيّنوا حقيقتها، ويتأملوا في آثارها وعواقبها، ثم حثهم على رد الأمر إلى ولاة الأمر من العلماء والأمراء، فهم
بحسب فقههم بالشرع ومعرفتهم بالواقع أقدر على إدراك الحقائق، والنظر في عواقب الأمور ومآلاتها، وما ينبغي نشره وإعلانه، وما يحسن السكوت عنه وكتمانه.

نسأل الله العافية،   اللهم قنا شرّهم …

 

مقالات متشابهة