7 مارس، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

الإخوان المسلمون: العامل المشترك في معادلات الصراع السياسي

عبد الله علي الرحبي

المتابع السياسي لكافة التطورات التي شهدتها الساحة السياسية في اليمن منذ ثورة الربيع اليمني، وما تبعها من أحداث إلى يومنا هذا، وما سيأتي في المرحلة القادمة، يجد أن الإخوان المسلمين مثل العامل المشترك في معادلة التوازنات والصراعات السياسية والعسكرية في اليمن والمنطقة، عبر مختلف المراحل التي مرت بها الأزمة اليمنية، والتي يمكن إبراز أهمها  في التالي:

  • المرحلة  الأولى مرحلة نشأة الأزمة:

لعب الإخوان المسلمون الدور الأبرز فيما سمي بثورات الربيع العربي، فبرغم أن الشباب العربي – المتطلع لدولة مدنية ديمقراطية حديثه – هو الحامل لراية الثورات ليس في اليمن فحسب بل في كل دول الربيع العربي، إلا أن تنظيم الإخوان المسلمين هم من مثل الركيزة الأساسية للثورة، كأبرز تنظيم منظم، مكنه من ملء فراغ أحزاب السلطات في مختلف الأنظمة لدول الربيع العربي، وهو الأمر الذي أعطاه الأولوية بالسيطرة المنظمة على كل ساحات التغيير وفرض نفوذه الكمي والكيفي، وتحكم في كل مسارات المشهد ورسم ملامحه وفق أجنداته على حساب شريحة الشباب، الذين أدركوا أن ثورتهم قد سرقت منهم، وسُرق معها حلمهم ومشروع دولتهم الحديثة، ومثل خيبة أمل، لكنهم ونتيجة غياب مشروع موحد ومنظم فشلوا في مواجهة من ركب على خيل ثورتهم، ولم يستطيعوا مواجهتهم لفارق العدد ومستوى التنظيم، الأمر الذي انتهى بسيطرة قوة تحكمها أجندة إيديولوجية لا تقل سوءًا عن الأنظمة الحاكمة الدكتاتورية السابقة، ليتحكم الإخوان بمفاصل النظام وتهميش غيرهم، وعلى رأسهم الشباب، وهو ما أدى إلى ردود فعل تطالب بتصحيح مسار الثورة، دفع الشباب للخروج بثورات مضادة تلقفتها قوى خارجية تآمرت على ثورتهم، وتحالفت مع قوى تتصدر معظمها الأنظمة السابقة وإن بوجوه أخرى، وهو ما حصل في مصر بعودة المؤسسة العسكرية للسيطرة على الحكم، وما حدث في تونس وسوريا، وما يحدث في ليبيا اليوم، وفي اليمن بعد أن أُدخل المشهد السياسي في مرحلة جديدة.

 

المرحلة الثانية: مرحلة سقوط النظام اليمني بيد حركة أنصار الله الإسلامية، التي جاءت عقب ثورة 21 سبتمبر المضادة، وفي هذه المرحلة لعب الإخوان المسلمون العامل المشترك الأبرز في معادلة الصراع والتناقضات، إذ مثل الإخوان القوة الأبرز في قائمة الاستهداف لأبرز لاعبي السياسة على الساحة اليمنية. استفادت من هذه التناقضات حركة أنصار الله بتقديم نفسها القوة الأبرز والأكثر قدرة على مواجهة الإخوان، كتيار يحمل مشروع إيديولوجي إسلامي مخالف لمشروع الإخوان. استطاع أنصار الله بذكاء إيهام كل الأطراف المعادية للإخوان بأنهم القوة القادرة على ضرب الإخوان – كعدو لها معه ثأر قديم – وبأنهم حركة ليس لديها مشروع للسيطرة على السلطة. وانطلاقا من مقولة تقول ما تكسر الحجرة إلا أختها، أجمعت كافة القوى المعادية للإخوان، الداخلية منها والخارجية، على أنصار الله كأبرز أداة لضرب خصم قوي، فبادرت القوى العشر الراعية للمبادرة الخليجية، ومعهم ممثل الأمم المتحدة – التي ترسم سياستها القوى العظمى على رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا- بالتباحث مع أنصار الله من خلال زيارات مكوكية لزعيم أنصار الله في صعدة، وإقناعه بضرورة الانخراط في المشهد السياسي كلاعب سياسي بارز له دور مهم في اليمن. وعملت هذه القوى كل ما بوسعها لتهيئة الساحة لأنصار الله والضغط على كل القوى السياسية لإعطائهم دورا في الحكومة وفي الحوار الوطني، وسهلت لأنصار الله كل العوائق بدءا من دماج بترحيل القوة السلفية -عبر وساطة رئاسية- من صعدة كمطلب رئيسي لحركة أنصار الله، وشرط لانخراطها في المخطط الدولي والإقليمي، والقيام بالدور المطلوب منهم القيام به في المشهد السياسي اليمني، مرورا بمعسكر القشيبي التابع للفرقة الأولى مدرع بقيادة الجنرال محسن، بوساطة رئاسية انتهت بالقضاء عليه كقوة صد كبيرة أمام تحرك أنصار الله العسكري تجاه العاصمة صنعاء، وانتهاءً بتوجيهات رئاسية للجيش اليمني بعدم اعتراض الزحف العسكري لأنصار الله، وهو التحرك الذي لاقى ترحيبا من الخارج عنه من القوى الداخلية، والهدف ضرب العدو المشترك للجميع ممثلا بالإخوان المسلمين، فمثل استهدافهم  أبرز أهداف القوى المتصارعة في اليمن، على رأسهم الرئيس هادي (الذي رأى في الإخوان عائق رئيسي أمام مشروعه الخاص بالسيطرة الكاملة على السلطة، بعد نجاحه في ضرب قوة صالح بعد هيكلية الجيش، وما نتج عنه من تمزيق لقوة الحرس الجمهوري التي كان يرى فيه مصدر قوة صالح ومصدر التهديد لسلطته)، وكذا الرئيس صالح (الذي يحتفظ بثأر شخصي من الإخوان لما لعبه الإخوان من دور رئيسي في إسقاط نظامه وإجباره على التخلي عن الحكم وتسليم السلطة لنائبه هادي، هذا بالإضافة لدور الإخوان في مؤمرة استهدافه ومجموعة من أبرز نظامه السياسي بالجريمة الإرهابية بجامع دار الرئاسة، كأبرز المتهمين المشاركين في هذه العملية من وجهة نظر صالح)، أضف إلى ذلك القوى الليبرالية والعلمانية المتطلعة لدولة مدنية ديمقراطية، رأوا في القوى الإسلامية المؤدلجة عائقا أمام تكوين هذه الدولة خاصة بعد تصدر الإخوان للمشهد السياسي، ومثل القوة المنظمة الأبرز للفوز بالحكم ليس في اليمن فحسب بل في كل دول الربيع العربي، كما مثل الإخوان المسلمين في اليمن هدفا إستراتيجيا لدول التحالف العربي الرئيسية، ووضعت في قائمة الإرهاب منذ وقت مبكر، ومثل تحالف الإخوان مع الشرعية الاضطراري لكلاهما عائقا أمام التحالف من حسم المعركة في اليمن سياسيا أوعسكريا، خوفا من تصدر الإخوان المشهد السياسي كقوة هي الأبرز.

 

المرحلة الثالثة: وهي مرحلة الزج بأنصار الله في صراع مسلح مع الإخوان المسلمين، إذ عملت السعودية، وكل ما سمي بالدول العشر، وكل القوى الداخلية التي لها مصلحة بدفع الإخوان لمواجهة الحوثيين، ليتم التخلص على كلاهما، إلا أن هذا المخطط فشل، بتنبه حزب الإصلاح لما يحاك ضدهم، وما حديث اليدومي لصالح الصماد أثناء حوار موفمبيك بقولة (يا ابني اعقلوا الداخل والخارج يريدوا أن نقاتل بعض)، إلا دليل على إدراك الإصلاح للمؤامرة الخبيثة، وهو ما دفعهم للإعلان بعدم استعدادهم لمواجهة أنصار الله عند دخولهم صنعاء بحجة أنهم حزب سياسي وليسوا مليشيات مقاتلة تقاتل بدلا عن الدولة، وبهذا الإعلان أدركت السعودية أن خطتها قد فشلت، وأنها سلمت صنعاء سلام بسلام لحلفاء إيران، التي سارعت بالإعلان عن سقوط العاصمة الرابعة بيدها، وهو إعلان المنتصر بنصر جديد في المنطقة، وهذه المرة على الباب الجنوبي لعدوها الرئيسي السعودية، وهو ما دفع النظام السعودي لاتخاذ قرار بالتدخل بعدوان عسكري مباشر لاستعادة اليمن التي أسقطت بغباء السياسة السعودية بيد إيران، ودخلت في تحالف اضطراري مع عدو إسلامي وضعته ولازال في قائمة الإرهاب، فمثل هذا التحالف عائق كبير أمام حسم الأزمة اليمنية، وإرجاع السلطة للحكومة الشرعية عسكريا أو سياسيا خوفا من سيطرة الإخوان على الحكم في اليمن، لذلك عملت مع الإمارات ووفق سياسة تبادل الأدوار على محاولة استهداف القوتين الإسلاميتين، لتتولى السعودية مواجهة الحوثيون ومعهم عدوهم الأقدم صالح، الذي سعت ومنذ وقت مبكر للبحث عن فرصة سانحة للقضاء علية، خاصة بعد تحالفه مع صدام حسين في ثمانينات القرن الماضي، وهو تحالف موجهة ضدها، انتهى بوقوف الرئيس صالح مع صدام حسين في أزمة الخليج واحتلال الكويت، وهو الموقف الذي رأت السعودية فيه خيانة من صالح، ومنذ ذلك الوقت عملت بكل الوسائل للتخلص من صالح ولكن دون جدوى. ومثلت هذا الأزمة في اليمن فرصة لضرب عصفورين بحجر، ممثلا بأنصار الله المرتبط بإيران وصالح، وضرب مفاصل قوتهم، فيما تتولى الإمارات مواجهة الإخوان المسلمين عبر توجيه عدة ضربات لمفاصل قوتهم بحجة الخطأ، مع العمل على محاولة تفريخ قوتهم عبر دعم بعض الفصائل الخارجة عليهم وقوى سلفية متشددة لا تتوافق مع الإخوان، وفي الوقت نفسه تعمل سويا مع السعودية لمحاولة إيصال الإخوان لصدارة المواجهة المباشرة مع الحوثيين، وضمان حالة توازن تضمن ضرب بعضهم ببعض، وعد السماح لأي من القوتين بالانتصار على الآخر والسيطرة على السلطة باليمن، وهو ما لم تستطع لما يقارب الثلاث سنوات تحقيقه، الأمر الذي دفعهم للبحث عن بديل آخر والدخول بمرحلة جديدة.

 

 

المرحلة الرابعة : وهي مرحلة إعادة ترتيب التحالفات التي جاءت بعد تصفية صالح من قبل أنصار الله – يرى  البعض أنها مثلت خدمة كبيرة للسعودية، التي كثيرا ما رفضت إلحاح الإمارات بالتحالف مع صالح كخيار وحيد لضرب العدوين الإسلاميين – ليأتي  اغتيال صالح فرصة للدخول بمرحلة جديدة، وهي مرحلة البحث عن قوة ثالثة للتحالف معها وتسليمها مقاليد السلطة، وأبرز من يمكن أن تتسلم قيادة هذه القوة هو حزب المؤتمر الشعبي العام، وما يرتبط به من قوات عسكرية يمكن تجميعها لتمثل نواة عسكرية للطرف الثالث، وفي هذه المرحلة سيتم  فرز القوى المتصارعة لجبهتين، جبهة تضم القوى الإسلامية ممثلة بأنصار الله والإخوان المسلمين كعدوين منفردين، ويصعب تحالفهم للتباينات المذهبية المعقدة، وأخرى تضم الطرف الثالث الذي يضم القوى الليبرالية التي تضم الأحزاب والقوى غير المؤدلجة، تضم قوات صالح بقيادة طارق صالح، ومن ورائه حزب المؤتمر والقوى السياسية والعسكرية الأخرى، لتشكل معا جبهة مواجهة لطرفين إسلاميين بتحالف موحد ومدعوم إقليميا ودوليا، وهذا المسار هو المسار الوحيد والمتوافق مع التوجهات الخليجية تجاه ثورات الربيع العربي والساعية لإعادة الأنظمة السابقة وإن كان بوجوه أخرى، خاصة بعد رحيل صالح بشخصه الذي مثل عائقا أمام السير فيه.

ومن هنا أكاد أجزم أن تحالف العدوان العربي، الذي دخل بحرب استنزاف طويلة دامت زهاء ثلاث سنوات، سيركز كل جهوده وسياساته للعمل وفق هذا المسار، وسيوجه جُل دعمة العسكري والسياسي لهذا الطرف، وسيدفعه لتشكيل جيش بعيدا عن هادي وجيشة المتحكم به من قبل الإخوان المسلمين كقوة بارزة، وسيعملون على إجراء بعض التكتيك ليظهر هذا الطرف أنه يعمل تحت قيادة الشرعية، وسيتم الترويج الإعلامي لذلك، فيما الحقيقة تكمن في تفرد قوات الطرف الثالث بقيادة المعركة عسكريا أو سياسيا، وأرجح المسار السياسي الذي تدفع نحوه الولايات المتحدة التي تسعى لإيجاد سلطة يمنية مشتركة تضم كل الأطياف وعلى رأسهم أنصار الله، وهو توجه يتوافق مع استراتيجيتها في الشرق الأوسط الهادفة لإيجاد فسيفساء من أنظمة متباينة مذهبيا وطائفيا وإثنيا ليتسنى لها إيجاد بيئة آمنه لإسرائيل. ويأتي الإعلان عن مبعوث أممي جديد بدلا من ولد الشيخ مؤشرا لإرادة دولية وإقليمية في إنهاء الحرب العبثية الظالمة في اليمن، والدفع نحو تسوية سياسية تغلق الملف اليمني الذي أضحت تكلفته الإنسانية محل إحراج شديد لكثير من القوى الدولية، ومصدر نقد شديد من الرأي العام الدولي والمنظمات الإنسانية والمعنية بحقوق الإنسان.

باحث ومحلل سياسي

مقالات متشابهة