22 يناير، 2021
الحوار الجزائرية
مساهمات

الحراك الإيراني والربيع العربي اللاتقاطع..

د. بن عجمية بوعبد الله أستاذ أكاديمي باحث

استبشرت القوى المناوئة للجمهورية الإسلامية الإيرانية والدو ل الغربية خيرا للحراك الشعبي الذي انطلق في إيران في الأسابيع الأخيرة، والذي ذكّر الجميع بموجة الربيع العربي الذي انطلقت شرارته منذ 2011 من تونس، مرورا بمصر وليبيا واليمن وصولا إلى سوريا، والذي ما تزال تداعياته السياسية والاقتصادية والأمنية تتسارع إلى يوم الناس هذا.

ظن المناوؤون لإيران القوية أنهم يستطيعون قلب الموازين الداخلية الصلبة في مجتمع معروف بتنوعه وحماسه الثوري وتسيسه، خاصة وأن الغرب بالتعاون مع دول إقليمية في المنطقة يريدون الضغط على إيران من خلال تحقيق الضربات الموجعة التالية:

إسقاط وهج الثورة الإيرانية ونظامها الإسلامي المتجذر مؤسساتيا وشعبيا.

كسر اليد الطولى لإيران بالمنطقة وتحجيم دورها الأساسي في الملفات الأكثر سخونة بالمنطقة، حتى أصبحت اللاعب الرئيسي والمحرك لخيوط اللعبة من خلال دعمها لفروعها وأتباعها في كل من اليمن والعراق ولبنان وسوريا والبحرين.

إنهاء الحلم الإيراني بالسعي لدخول نادي الدول النووية من خلال تخريب برنامجها النووي وإنهاك اقتصادها المحلي تحت ضغط العقوبات التي ظهر مفعولها في الداخل الإيراني.

بإضعاف إيران يضمن الغرب سيطرة إسرائيل وتفردها بالتأثير والهيمنة بمنطقة الشرق الأوسط، فبعد دخول أغلب العرب في صف التطبيع العلني مع إسرائيل لم تعد سوى إيران المقلقة لهذا الارتباط بين العرب والإسرائيليين.

إنجاح المشروع الغربي بالمنطقة والمخطط له الذي سيطبع مشهد السنوات المقبلة، وهو أن الصراع المقبل سيكون بين الشيعة والسنة ليبقى المستفيد الأكبر من هذا الصراع هو إسرائيل ومشاريع الغرب بالمنطقة.

 

  • مميزات الحراك الشعبي الأخير في إيران

سنأتي في عنصر لاحق إلى تبيان نقاط الاختلاف الجوهرية بين الحراك الإيراني والحراك العربي، ولكن أبرز ما ميز الحراك الإيراني الأخير ما يلي:

قلة المشاركين في هذا الحراك والمظاهرات، والتي كانت محدودة جدا من حيث الزمان والمكان.

أغلب مطالب المتظاهرين كانت اجتماعية، وذلك على حساب المطالب السياسية، مثلما حدث في الحراك العربي.

بالمقابل خرج عشرات، بل ومئات الآلاف من الإيرانيين، في المدن والساحات الكبرى منددين بهذه المظاهرات، دعما للسلطة الحاكمة في إيران، وتنديدا بالمخططات التي يحيكها الغرب لبلدهم، حسب الإيرانيين طبعا.

التعامل الرسمي الذكي مع المظاهرات التي كان أغلبها في الليل ومع أناس ملثمين، والتي تم التعامل معها بحنكة تختلف عن تعامل الأنظمة العربية مع هكذا حراكات.

إنهاء المظاهرات في وقت وجيز بسبب دهاء النظام الحاكم في إيران (رئيسا وأمنا واستخبارات وبرلمانا ومرشدا ونخبا وإعلاما).

تشكيل لجان مختصة سريعة وفاعلة للتكفل الفوري بأغلب المطالب الاجتماعية التي رفعت.

الأرمادة الإعلامية الضخمة والمنظمة التي استغلها النظام الإيراني (تابعة له أو مملوكة)، والذي أحسن التسويق المنظم والمكثف لنظرية المآمرة، في الوقت الذي أصبحت فيه إيران قوة إقليمية منافسة للمشاريع الغربية والإسرائيلية بالمنطقة.

ملاحظة:

تعداد هذه الميزات لا ينفي أن النظام الإيراني له مساوئ كثيرة وتناقضات داخلية، خاصة ما تعلق منها بحقوق الإنسان واضطهاد أهل السنة هناك، وقضية عرب الأحواز المسكوت عنها.

 

  • فروق بين الحراك الإيراني والحراك العربي

ما يميز المجتمع الإيراني أنه كان سباقا للثورة فيما اعتبر أنذاك ظلما واستبدادا وطغيانا قبل ثورات الربيع العربي بسنوات طويلة، وكانت ثورة الخميني سنة 1979 أبرز معالم هذا الحراك، وواحدة من أهم المحطات البارزة التي ميّزت القرن الماضي، والتي أرسى من خلالها الإيرانيون نظاما إسلاميا ومذهبيا متوافقا عليه، على خلاف الشعوب العربية التي حكمتها أنظمة الاستبداد الشمولية بشعارات القومية والمجد السراب ولمدة طويلة، أنتهكت فيها الحقوق والحريات والكرامات.

لا مشكلة لأغلب الإيرانيين في نظام الحكم الموجود، إذا أن الانتخابات مثلا التي تجري في إيران هي في الغالب انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة يختار فيها الشعب الإيراني رئيسه وبرلمانه وممثليه في المجالس  المحلية والنقابات بكل شفافية وديمقراطية، على خلاف ما طبع الحراك العربي الذي اندلع ضمن بيئة سياسية فاسدة لا كلمة فيها إلا للعائلة الحاكمة، ولا سطوة إلا للشخص المتفرد والمستبد.

تحرك الإيرانيون على قلة هذا الحراك ومحدوديته، وبلدهم يعيش مؤامرة غربية من خلال تنامي وتعاظم دورهم كقوة إقليمية بارزة تتحدى عالم الأقوياء من خلال ما تملكه من أوراق على الساحة الدولية، على خلاف الحراك العربي الذي وقف في وجه أنظمة تابعة وعميلة للغرب، تطبق خططه وتنفذ مشاريعه، بعضها بتواطؤ، والبعض الآخر بسذاجة وغباء، وما تبقى بضعف وقلة حيلة، فشتان بين الحراكين.

فشلت الدولة القومية المركزية في عالمنا العربي بعد تحرير الأوطان منتصف القرن الماضي في تحقيق نهضة وتنمية وحضارة تنافس بها على المستوى العالمي، بل وتراجعت وتقزم دورها على ما كانت عليه سابقا، على اعتبار أن الحكم استقر في يد أفراد وعائلات من دون رؤية أو استراتيجية أو رشاد حكم، ما جعل الهوة تزداد بينها وبين شعوبها المكلومة.

مقالات متشابهة