26 نوفمبر، 2020
الحوار الجزائرية
مساهمات

ملتقيات الفكر الإسلامي…الأنوار ضد الظلاميين

 بقلم: ياسين بوغازي

 إن ما سلف من كتابة ومقالات خماسية عن الأنوار التي أشرقت ضد الظلاميين ضمن الاستذكار المخصص لملتقيات الفكر الإسلامي العالمية في الجزائر، وهي كتابة استذكارية جوهرها ثقافي، وليست أبدا تأريخية متخصصة.

وهي عن الأجواء الأخرى التي ربما غيبت، أو تغيب عمن يرغبون في استذكار تلك الملتقيات بحميمية العاشق الولهان، أجواء نترصدها الآن بعد زمن طويل لما نتحدث عن الكواليس التنظيمية والمسؤوليات الإشرافية والإعلاءات الشكلية الرسمية والدعم وجميع الأبعاد الثقافية التي تقرأ من خلال هذه التجليات ضمن المواد الكتابية والصحفية والشهادات المتوفرة.

وهي تجليات في كل استذكار أو قراءة تأتي مبهرة، بل وأكثر فأكثر كل مرة، كما تأتي استذكارات متعددة الجوانب ومختلفة المشارب عن ملتقى علمائي متخصص ربما أكثر ممن يجب، ملتقى اهتم بالنخبة وأهمل الشعبية على قاعدة أن الدين عند الناس وكانت هذه واحدة مما رفع كمثالب على تلك الملتقيات من الفكر الإسلامي برغم الاعتراف بقيمتها العلمية وتاريخها في الحفر العقلي الإسلامي.

على كل حال، ما سبق من كتابة ومقالات خماسية قيلت بعض الأشياء المهمة والتي لا يأبه لها. كالقول أن تلك الملتقيات وطوال عقديها الزمني قد سادت بمسحة سياسية ضمن الاستراتيجيات السياسية العامة المتعاملة مع ما يماثل تلك الملتقيات وجميع المحاضرات وهي المسحة العامة للأطر السياسة الثقافية الجزائرية في تلك الفترة، وللمنظور الوزاري الذي كانت تنفد من خلالها عبر وزارة الشؤون الدينية الجزائرية هذه الملتقيات أو ما يماثلها وما تعتمده من أطروحات ووجهات نظر ضمن ما يجري من نقاشات وما تحويه الأوراق البحثية المقترحة وما شابه.

إن المؤسستين الوزارتين الحكوميتين كانتا برهانا لا يطاله شك على أن السياسية كانت حاضرة ضمن تجليات ملتقيات الفكر الإسلامي وجلساته العاصمية أو تلك التي تنقلت في مدنه طوال عقدين من الزمن، لأن القول بغير هذا وان تلك الملتقيات كانت تجرى دون منظور سياسي استراتيجي حكومي يعتبر كما الهرطقة والخبل الثقافي في ذاته، بل ويمكن اعتباره إساءة بليغة أولا للملتقيات وللهيئات الرسمية وللمنظمين جميعا، ولكل من ساهم من قريب أو من بعيد في تجلي تلك الملتقيات المهمة ؟ ومن جهة ثانية يسيء إن حدث حقا أن تجلى سواء كان ثقافيا أو علميا على مقومات دينية وفقهية وسط حضور من صفوة الأجانب من العلماء واللفيف العريض الذي زين قاعات الملتقيات الطويلة من الدعاة والمشايخ بأوراقهم البحثية والتي كانت تقبل ضمن منظور سياسي عام وإستراتيجية الدولة الجزائرية في تلك الفترة، كما هو الحال في جميع دول العالم في التعامل مع هذه القضايا.

أقول هذا لأن أحدهم قال لي معلقا، أرأيت ! لقد كانت ملتقيات الفكر الإسلامي القيمة العلمية تعقد طوال السنين دون سياسية تتدخل فيها، وهو السبب الذي جعلها تستمر طويلا وتظل خالدة الأثر ؟ ويواصل ليقول: إن ما تلاها من تجليات مشابهة في الصياغة وربما أضخم تنظيما لكنها لم تترك أثرا يذكر؟

لقد كانت وجهة نظر صديقي هذه محفزة لإيضاح الفكرة ضمن هذه المقالة والتأكيد على أن ملتقيات الفكر الإسلامي بوهجها وقيمتها وسمعتها العربية والعالمية لم تكن أبدا تنظم خارج الأطر العامة للسياسية المنتهجة والتي كانت في تلك الفترة من البداية واضحة المعالم للتعامل مع هذه الأشكال العلمية وكل ما هو ديني يمس جوانح الناس لكنها كانت سياسة دولة تعرف ما تريد من هذه الملتقيات لأجل سياسة أخرى كانت تروم إعادة ما للأمة من أصالة من خلال فتح ملفات الشأن الديني الفقهي المعاصر ؟ سياسية ثقافية وعامة يحركها التصدي للانحرافات والانزلاقات التي قد تمس بمبادئ الشعب وعقيدته الإسلامية السمحاء، وعقدة الشعب لم تكن تحتاج ربما إلى فلاسفة يفلسفون الحرف على عدة أحرف كما غدت الحالة الدينية في الوقت الراهن لكنها كانت سياسية شعارها اما ما ينفع الناس فسيبقى وما دونه فسيذهب سدى.

إن مسحة سياسية كانت واضحة آثارها زمن ملتقيات الفكر الإسلامي، مسحة تعاملت مع الكنه والرسالة وليس الشكل في تلك الأوراق البحثية المقدمة، وتعاملت مع التكوينات العلمية والاجتهادية والوطنية التي تأسس جزء مهم من منظور ديني. مسحة سياسية نفذها ثلة من الرجال الوطنيين ومن كوادر الدولة الجزائرية في تلك الفترة المتواجدين في وزارتي الشؤون الدينية ووزارة الثقافة والدين، في الحقيقة لم يكونوا فقط مجرد موظفين مكلفين بتسيير شأن مهني فقط كما هو الحال الآن، بل كانوا مقتدرين على تسيير شأن علمي وتظاهرة هي سلسلة ملتقيات طويلة ضمن سياسية حكومة وأهداف إستراتيجية ضروري تحقيقها، علاوة على أن وزارة الشؤون الدينية هي من كلفت مند أول ملتقى بتنظيم وتنفيذ والإشراف على هذه الملتقيات من الفكر الإسلامي ضمن ما هو طبيعي من سياسية الحكومة في تلك الفترة ومحددات عملها في القطاع الديني وأن ثلة الرجال الوطنيين الذين أشرفوا بالتناوب ربما على إخراج هذه الملتقيات كانوا في الحقيقة في بعض المراحل هم أنفسهم منارة من منارات العلم والاجتهاد والخلق الوطني والتربوي العظيم، ولعل الأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم نموذج لا يفنى ضمن تلك الكوادر التي أشرفت وقادت وأخرجت تلك الملتقيات من الفكر الإسلامي النوراني في أسمى تجلياته الحضارة والثقافية وتعايشه الاختلافي وجدارته العلمية إلى أن أضحت تلك الملتقيات الإسلامية مضربا للناس ومهوى عشاق الفضيلة من طلبة العلوم الدينية ورواد المساجد وحفظة القران الكريم وممن لفهم النسيان.

 

يتبع ….

مقالات متشابهة