28 سبتمبر، 2021
الحوار الجزائرية
المجلة

   لعلاوي ..فن جزائري أصيل

  • فيما حاولت المملكة المغربية نسبه إلى تراثها

 

تعتبر رقصة العلاوي أحد أبرز معالم الفلكلور في الجزائر و لا تزال سفيرة الثقافة الشعبية. وتؤدى هذه الرقصة الشعبية في أغلب المناسبات بالغرب الجزائري، والعلاوي رقصة فنية خاصة بالرجال، تعتمد على الرشاقة في الحركة والسرعة في التنسيق. وتؤدى على شكل صفوف على أنغام الغايطة و قرع البندير. من حين لآخر يقوم الرجال بالتوقف عن الحركة ثم يبدأو بدك الأرض بأرجلهم إثباتا لصلابتهم ممسكين بالعصي رمز السلاح.

 

ملف/نصيرة سيدعلي

 

صنع نجما المنتخب الجزائري بغداد بونجاح ويوسف بلايلي الحدث و جلبا الأنظار نحوهما بآدائهما رقصة لعلاوي بعد الهدف المسجل، خلال المباراة الودية الأخيرة، ضد المنتخب التونسي.

وما سهل أكثر من حسن تأدية بونجاح وبلايلي لقطات الرقص بعد تسجيل أي هدف، هو أنهما ينحدران من منطقة واحدة، وبالضبط من مقاطعة وهران غربي الجزائر، المعروفة بتنوع التراث الثقافي والغنائي.

مجلة ” الحوار” سلطت الضوء على ملف “لعلاوي” وتوغلت في أصول رقصته و أبعادها المختلفة،  والظروف التي ولدت فيها، أنواعها و حتى الهندام الذي يميزها والآلات الموسيقية التي تستخدم فيها وحركاتها الكوليغرافية، كما عرجت على الكيفية التي وصلت بها إلى المملكة المغربية التي حاولت جاهدة الإستيلاء عليها وضمها إلى تراثها المحلي كعادتها في سرقة كل ما هو جزائري ؟

              لعلاوي ..فن ولد من رحم المجتمع الجزائري

أكد كل من مدير عام البالي الوطني الأسبق والباحث في التراث الفني الجزائري إبراهيم بهلول ورئيس المجلس الوطني للفنون والآداب عبد القادر بن دعماش في تصريحهما لـ ” الحوار” على أن رقصة لعلاوي فن جزائري أصيل، وأنه انطلق من وهران غرب الجزائر، منذ قرون خلت، ويعتبر الطابع لعلاوي ضمن المخزون الفني المبثوث في رحم الجزائر ومفخرة لشعبها، ويبقى هذا اللون الفني الأصيل موروث ثقافي يتواصل مع الذاكرة التراثية الوطنية تذكره الأجيال الحالية والقادمة.

            رقصة لعلاوي.. فن  ذو أبعاد مختلفة

في تعريفه لرقصة لعلاوي، قال الباحث في عمق التراث الجزائري الأستاذ إبراهيم بهلول في حديثه مع مجلة ” الحوار” إن هذا الطابع الفني الذي يعتبر رقصة شعبية وشكل من أشكال الموسيقي له إيقاعات موسيقية تطرب لها الآذان وتسحر عيون المتتبع لجمالها ورونقها، وتجعله ينجذب نحوها، وتؤدى في صورة جماعية يقوم أعضائها بحركات كوليغرافية، تهتز فيها الأكتاف وضربات الأرجل القوية في نسق متناغم منظم تشكل لوحة فنية رائعة الجمال، وتختلف رقصة لعلاوي حسب ذات المتحدث في أدائها من منطقة إلى منطقة، وهي رمز من رموز الشهامة والحوكمة الحربية، ولها أبعاد تاريخية واجتماعية، فنية وعسكرية.

             لعلاوي… فيلق عسكري في هيئة فرقة فنية

وحول أصول رقصة لعلاوي، قال الأستاذ إبراهيم بهلول في ذات السياق، بأنها قبل أن تكون فرقة فنية، ورقصة شعبية  تؤدى في عديد المناسبات والمواسم الفلاحية والأعراس، فقد انطلقت في بدايتها على شكل فرقة تقلد فيلق عسكري في مهاراته الحربية، وتعبر في الوقت نفسه عن فرحة بجنود عائدين من معركة منتصرين على العدو المتربص بجغرافياتهم التي هي رمز لعزتهم ووجودهم.

              يعود تاريخ إنشائها إلى القرن 16 مـيلادي

حسب المصادر التاريخية التي تضمنها كتابه الموسوم بـ ” الرقص “يعود تاريخ إنشاء فرقة لعلاوي حسب ابراهيم بهلول إلى القرن الـ 16 للميلاد، وبالذات من منطقة وهران، وجاءت لتعبر عن الغبطة والسرور وبنشوة انتصار القوة العسكرية الجزائرية في كل معركة لردع التكالب الاسباني على شمال افريقيا والتي كانت تمثل كما قال أعظم قوة في المستعمرات التقليدية في حوض البحر الأبيض المتوسط، فكان قائد فرقة لعلاوي الذي كان بمثابة قائد عسكري وباقي الأعضاء بالجنود، يقول بهلول “يقومون عند عودة الفيلق من ساحة الوغى وهم يحملون بهجة الانتصار برقصات مماثلة للحركات المقاتلين الأشاوس وهم يدافعون ببندقياتهم عن حياض الوطن، ويقوم قائد الفرقة بترجمة تعليمات القائد العسكري لجنوده عن طريق الحركات تتمثل في هز الأكتاف وضرب الأرض بأرجلهم بحركات التي تنم عن الشجاعة وبسالة الفارس المغوار.”

                      .. استراتيجية رقصة  لعلاوي

يطلق على رقصة لعلاوي عدة أسماء، تعود بالدرجة الأولى يقول الباحث في التراث الفني الجزائري ومدير عام للبالي الوطني الأسبق إبراهيم بهلول إلى المناطق التي تعرف هذا اللون الفني، وهي كالتالي :

النهاري: نسبة إلى أولاد نهار بسبدو ولاية تلمسان، ويتميز ولاد نهار بالهدوء والاتزان، ويقلدهم في ذلك فرقة لعلاوي التابعة لولاية البيض، حيث يقوم راقص لعلاوي بهذه المنطقة بهز خفيف لمنطقة الكتفين والخصر

بقوم قائد فرقة لعلاوي بإطلاق “العيطة” وهي عبارة عن إشارة واستراتيجية حربية تعلن عن بدء الهجوم أو التراجع إلى الخلف، والعيطة هذه حسب إبراهيم بهلول عبارة لغة لا يفقهها إلا أعضاء الفرقة، وهذه الاستراتيجية أو التكتيك الحربي في رقصة لعلاوي يضيف إبراهيم بهلول تتفرع إلى عدة أنواع،السبايسية.

القدرية، لعريشة، لحايطي، النصرية، الردّاسي، والبُنت: تعني ضربة واحدة

 

                         طبيعة زي رقصة لعلاوي

 

وفيما يتعلق بطبيعة اللباس أوالزي الذي يرتديه عادة أعضاء فرقة رقصة لعلاوي، قال المؤرخ إبراهيم بهلول حيث نجد ” الشاش” ويقال له توتي او العمامة، وأيضا القندورة وسروال وحذاء، والتي تمثل الزي الجزائري الأصيل، ويضع الراقص لعلاوي حزاما على كتفيه مشدود إلى  ما يسمى بـ” قطايشة”  تتدحرج على مستوى الكتفين أثناء الرقص، وبجانبه الأيسر يضع بندقية، وينتهي الحزام بمصحف ملفوف في قطعة من جلد تيمنا به في المعارك التي يخوضها ضد العدو، وأثناء حرب التحرير المجيدة ونظرا لمنعهم من حمل السلاح، فقد استبدال استبدل المسدس بعصا، وتختلف قندورة بني عامر بسيدي بلعباس وعين تيموشنت وغيلزان عن ولاد نهار، وتميز الأولى أنها دون أكمام، ومفتوحة في أسفلها  من الطرفين، حيث يسمح لراقص التحرك بسرعة،  ونجدها على ألوان متعددة منها الرمادي، بني، اصفر، ولون الشاش اصفر،  بينما ترتدي فرقة ولاد نهار قندورة لونها أبيض واسعة مثل الصحراويين وشاش ابيض، والدارة  يشتهر بها أصحاب الرمشي، وقد يصل عدد الفرقة إلى 25 راجل وكل واحد منهم يحمل بندقية بيده ويقومون بحركات ثقيلة، ويضرب جميع أعضاء الفرقة ضربة البارود في نفس الوقت، وأحيانا إذا أرادت فرقة أولاد نهار تنويع الرقاصات يستخدمون الدارة، وشاش بني عامر بسيدي بلعباس لونه اصفر، بينما شاش سبدو والبيض لونه ابيض.

                البندير..القصبة..الغيطة هي آلات فرقة لعلاوي

من الآلات الموسيقية التي تصنع الفرجة وتزيد من جمال إيقاعات رقصة لعلاوي حسب ما استقيناه من ضيف” الحوار” إبراهيم بهلول، أن كل منطقة من مناطق المشهورة برقصة لعلاوي تؤديها بآلات معينة، فمثلا فرقة لعلاوي ولاد النهار تستعمل فيه 2 القصبة و2البندير، في حين يستخدم لعلاوي بني عامر القلال والقصبة، أما فرقة لعلاوي ولاية البيض يستخدمون الغيطة والبندير، في حين يستخدم ولاد عرفة مسيردة، وكل فرد من أفراد الفرقة يأخذ كل الة ايقاعية في يده، بالإضافة إلى بندير القادوس والترية، ودربوكة صغيرة على الكتف، والزمير يتألف من قرنين الثور. .

                    هكذا وصلت رقصة لعلاوي إلى المغرب 

انتقلت رقصة لعلاوي من الجزائر إلى المملكة المغربية، حسب المؤرخ للفنون الجزائرية، إبراهيم بهلول عن طريق الهجرات الجزائرية نحو المغرب قديما حيث أنشئوا فرقة لعلاوي هناك، ومن ثم اعتبره المغاربة أنه من التراث المغربي، والحقيقة التاريخية تؤكد أنها جزائرية محضة بالدلائل والشواهد المؤكدة.

             رقصة لعلاوي تؤدى بعدد زوجي بالإضافة إلى قائد

تؤدى رقصة لعلاوي كما قال الأستاذ ابراهيم بهلول بعدد زوجي، ويمكن أن يتعدى عدد إلى عشرين فردا، بالإضافة إلى قائد الفرقة.

 

             رقصة مقتصرة على الرجال فقط

قال مدير عام للبالي الوطني الأسبق إبراهيم بهلول بأنه على عكس رقصة الأهليل الذي هو تراث شعري وغنائي تيميمون، والذي تشارك فيه النساء، فإن رقصة لعلاوي مقتصرة فقط على الرجال.

             فن أصيل ولد من رحم الجزائر

من جهته، أكد رئيس المجلس الوطني للفنون والآداب عبد القادر بن دعماش في تصريحهما لـ ” الحوار” على أن رقصة لعلاوي يختص بها الغرب الجزائري، وجنوب تلمسان، وأن هذا النوع من الفنون يقلد فيها أعضاء فرقة لعلاوي ما يقوم به الجنود في المعركة ضد العدو، ويستخدم القائد ما يسمى بـ ” العيطة” وهي لغة فنية يفقهها أهل لعلاوي، ويقوم رئيس الفرقة الذي يمثل القائد العسكري بخطوات عسكرية وهي رمز الهمة والبسالة، ويقوم وجميع فرقته بحركات كوليغرافية، يستخدمون في السابق يضيف بن دعماش البندقيات ثم تحولت إلى مطارق، مستخدمين فيها البندير والقلال، فتسمع قائد الفرقة يطلق صرخة مدوية المسماة ” العيطة” في 3 مرات متتالية ويبدأون في حركات إبداعية ذات إيقاعات جميلة متبوعة بالبرود ترد صداه الجبال، ويخيل لك صورة الفرقة كفيلق عسكري، ويسدي أعضاء الفرقة الطاعة والولاء لقائدهم، كما يفعل الجنود مع قائدهم قبل وأثناء وبعد الانزال في ساحة الوغى.

 

ذاكرة أمة في طريقها نحو الانسلاخ عن جذورها

أعرب الباحث في التراث الفني الجزائري، إبراهيم بهلول عن استيائه الشديد حول الصمت المطبق من طرف وزارة الثقافة التي تهاونت في إصدار نسخ جديدة من كاتبه الموسوم “الألات الموسيقية التقليدية في الجزائر” منذ تظاهرة الجزائر عاصمة للثقافة العربية سنة 2007، وأنه تلقى وعودا من الوزراء للثقافة السابقين إلا أنه لم يحظ  بعين الاعتبار، علما أن هذا اٌصدار يضم كنوزا معرفية من تراثنا المادي، حيث شرعت دول الجوار بتبنيه ونسبه إلى تراثها الوطني، في ظل التهاون واللامبالاة التي يعامل بها هذا الكتاب الذي يحوي بين ثناياه ذاكرة فنية للأمة الجزائرية الذي يدفعنا التزامنا الأخلاقي بإخراجه للعيان حتى يستفيد منه الطلبة والباحثين في التراث الجزائري بشقيه المادي وغير المادي، وكتاب أخر بعنوان” الرقص التقليدي الجزائري” الذي طبعه صاحبه إبراهيم بهلول على نفقته سنة 2017، في انتظار الالتفاتة من الوزارة الوصية على قطاع الثقافي للتكفل بنشره وتوزيعه

 

يجب وضع خريطة التراث المادي وغير المادي لحفظه من السطو

وحول دور وزارة الثقافة في حفظ التراث الجزائري والدفاع عنه حتى لا يتم سلبه من قبل جيراننا، كما فعلت مع الكثير من الأكلات الشعبية والثروة الفلاحية على غرار دقلة تنور الجزائرية والتي تم تسجيلها في اليونيسكو باسم الجارة تونس، ورقصة لعلاوي التي تريد الاستلاء عليها الجارة المغرب، قال مدير عام للبالي الوطني الأسبق ابراهيم بهلول أني شاركت في ملتقى بتونس حضرته 18 دولة عربية ومغاربية، وتم تنظيم على هامش المهرجان محاضرات نشطها مختصون في علم التراث، وبعد مدة من الزمن قام منظم المهرجان بتأليف كتاب مستوحى من المحاضرات التي ألقاها هؤلاء الباحثين وتم نسبها إلى بلده تونس، ولم تحرك الجزائر ساكنا، مشيرا إلى أن وزارة الثقافة الجزائرية لا تؤدي دورها المنوط بها، وقال إبراهيم بهلول حبذ لو تم إنشاء مكتب صغير تولى له مسؤولية تنظيم المشهد الثقافي الجزائري، وينصب عليه مسؤول ابن الميدان، كان أحسن من أن نؤسس هيئة ونطلق عليها اسم وزارة الثقافة دون أن تقوم بأدنى مجهود في المجال، داعيا إلى وضع خريطة واضحة للتراث الفني والثقافي الجزائري واضحة المعالم.

 

يجب المحافظة على تراثنا لحمايته من القرصنة

من جهته، دعا رئيس المجلس الوطني للفنون والآداب عبد القادر بن دعماش بن دعماش، إلى ضرورة وضع استراتيجية جديدة للحفاظ على الموروث الفني والثقافي الجزائري والحرص على نقله إلى الأجيال اللاحقة، مشيرا إلى أن الجزائر تتوفر على مخزون معرفي يعود إلى سنين ما قبل التاريخ، ما يستوجب على الجهات المعنية مواصلة في حفظه وتسجيله في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ” اليونيسكو” كما فعلت مع العديد من الفنون والطبوع والآلات الموسيقية والأطباق الشعبية، وقال بن دعماش بأن وزارة الثقافة التي تمثل الدولة الجزائرية في الميدان رغم قصر تجربتها في حفظ التراث، إلا أنها لم تبق مكتوفة الايدي، بل قامت بحفظ التراث الجزائري في سجّل العالمي، وأن متحف الباردو منذ 2003، يقوم بأبحاث متواصلة لبعث موروثنا الثقافي حتى لا ينهب من قبل جيراننا، وعاد بن دعماش ليقول:” صحيح أن تراثنا له جانب مغاربي، لكن تبقى أصول تراثنا المادي وغير لمادي من عمق الجزائر ولا يحق لأي كان كما قال أن ينسبه لنفسه، مثلا الشعر الملحون حين حاول جيراننا نسبه إلى مخزونه التراثي، قامت حركة كبيرة رأوا ضرورة تسجيله في اليونيسكو، وحتى جيراننا الذين ينسبون تراثنا إليهم قدموا شهادات بأنه من أصول جزائرية لا غير”.

 

مقالات متشابهة