4 مارس، 2021
الحوار الجزائرية
المجلة

الكسكس الجزائري.. الذوق الرفيع و النكهة الأصيلة

ــ من مطبخ تنهنان…إلى قصور الأندلس وصولا إلى بقاع المعمورة

ــ اليونسكو تنظر إدراج الكسكس ضمن قائمة التراث العالمي

 

•روبورتاج/نصيرة سيد علي

سجلت منظمة اليونسكو طبق الكسكسي ضمن قائمتها للتراث العالمي غير المادي، إثر تقديم الجزائر والمغرب وموريتانيا وتونس، للمرة الأولى، ملفا مشتركا بعنوان “الكسكسي: المعارف والمهارات والطقوس”. وكتبت على إثرها وزيرة الثقافة مليكة بن دودة على تويتر إن “الكسكسي ليس مجرد طبق، لكنه نسق ثقافي وأسلوب حياتي”.

 

وتابعت أنه “طقس متجذر منذ قرون، في الأفراح والأتراح، في الاحترام والاحتفاء، في التضامن والدعم، وهو إشارة مبكرة عن التنوع الذي آمنت به ساكنة المنطقة، بتعدده وتنوعه”.

وتشترط منظمة اليونسكو لضم أي موروث لقائمة التراث العالمي توفر تعبير المجتمعات عن حس الانتماء والتملك حيال العنصر الثقافي، وهذا ما يمثله طبق الكسكسي لدى شعوب دول المغرب العربي كما تؤكده الباحثة لويزة غاليزي، فالكسكسي يمثل “مركبا من مركبات الهوية الثقافية، يرمز إلى كل ما هو قرباني ويميز الأحداث الهامة في السعادة أو المأساة على مستوى العائلات والجماعات”.

وبالرغم من تسجيل “اليونسكو” طبق الكسكسي ضمن التراث العالمي اللامادي، باسم دول الجزائر وتونس وموريتانيا والمغرب، التي كانت قد قدمت ملفا مشتركا للمنظمة الأممية، بعد صراع حول البلد الأصلي للطبق، خاصة بين المغرب والجزائر.

غير أن أصواتا محلية اعتبرت تصنيف الكسكسي كطبق مغاربي يعتبر تخاذلا من الجزائر لأن أصل الطبق يعود إليها، و من بينها الإعلامية نوال قاضي المهتمة بالتراث الجزائري، والتي اعتبرت في منشور لها على حسابها بموقع “فايسبوك”أن مشاركة لقب التوثيق مع دول الجوار، يعتبر تنازلا عن حق شرعي وعارا للتخلي عن هكذا موروث من عهد الحضارة النوميدية إلى يومنا هذا”.

  • حبات الكسكس في رحلة عبر الجزائر العميقة                     

من كسكس جبال جرجرة الأشم، معرجين على الجسور المعلقة قسنطينة الساحرة، ولوجا  إلى أعماق جيجل عروس البحر المتوسط، إلى جوهرة الغرب الجزائري تلمسان مرورا بسحر جنوبنا الكبير، تسير حبات الكسكس في رحلة عبر الزمن في موكب بهي، لتشكل في الأخير طبقا رئيسيا للجزائر العميقة، برغم من اختلاف في طرق تحضيره والمواد التي تدخل في طهيه، واختلاف في أذواقه وتزيينه، تبقى هذه الأكلة سيد موائد العائلة الجزائرية في كل مناسبة، وتؤكد الشواهد التاريخية عن الانتماء الحضاري لاكلة ” الكسكسي” إلى الجزائر…

  • الزبيب، العسل،فواكه البحر، التمر، الخضروات، البيض، الباقوليات… لاعداد الكسكسي

ونحن نتجول عبر أركان مطبع ” إبداعات المرأة الجزائرية” الذي أعد بغرض التعرف عن كثب والإطلاع على نهجه التاريخي، لاحظنا الكم الهائل من الأنواع الكسكسي الذي يزخر به وطننا الجزائر عبر العصور خلت، حيث سمحت هذه الفعالية الثقافية التعرف أكثر واكتشاف أنواع مختلفة لهذا الطبق، ونتيجة للزخم والتراكم المعرفي التاريخي، ولتأثيرات أخرى كلها أدّت إلى تنوع كبير في هذا المطبخ، وهذا ما أظهر اختلافا وتباينا في إعداد هذه الأكلة الشعبية من منطقة إلى أخرى، ومن بين المواد التي تدخل في طبخه نجد الفول، الجلبانة، العدس، اللوبيا، الزبيب، العسل،فواكه البحر، الخضروات، البيض، الباقوليات، السكر، التمر الغرس.

  • الدقيق ، الشعير، الذرة، البلوط وحشائش البرية … تصنع منها حبات الذهبية

تستعمل المرأة الجزائرية الكثير من المواد لصناعة حبات الكسكسي، فتعطي بذلك مذاقا رائعا، وهي الدقيق ، الشعير، الذرة، البلوط وحشائش البرية ومن هذه المواد نجد  الدقيق ، الشعير، الذرة، البلوط وحشائش البرية، كما يتم في بعض المناطق استنادا إلى أراء تلك الطبخات التي استطلعت ” الحوار” أرائهن حول الموضوع، أن هناك بعض حبات الكسكس تصنع من مزج مادة الدقيق الذي يكون مصدره  القمح الصلب بدقيق المستخرج من القمح اللين، ومنهم من يمزج بين مادتين أو ثلاث مواد المذكورة أنفا، ليعطي في الأخير أنواع متعددة وبتسميات مختلفة لهذا الطبق، والذي يصب في أخر المطاف في قالب” الكسكسي الجزائري”.

وفي هذا الصدد تقول سنوسي ليلى من ولاية الأغواط أن كسكس هذه المنطقة له ميزة خاصة، ومن بين المواد التي تدخل في تحضيره، مجموعة من المواد منها ” الكابويا” ، اللفت” الجزر”، القرعة، اللحم وتضاف إليه بعض البهرات التي تعطي له نكهة مميزة مثل مادة الحلبة، شيب الشيخ، الطماطم، وبعد إفراغ من طهيه يتم سكب تمر محل في الماء على المرق ليعطي طابع خاص لهذا المرق، كما تشتهر هذه الولاية استنادا إلى ذات الطباخة بطبق ” البركوكس” أو ” المردود”، وهو يشبه مادة ” الكسكس” لكن يكون أخشن منه من حيث الشكل، بطعم الثوم الصحي والمشمش المجفف و الهرماس.

ومن جهتها حضرت الطباخة عبد الدايم عزيزة من جانت ولاية اليزي من الجنوب الجزائري خبز ” تجلة” المصنوع من القمح مع خميرة ” كلبو”، وكذا طبق “لفتات” الذي تدخل في تركيبته الصناعية مادة القمح بنوعيه الصلب واللين ويوضع على شكل عجينة، وتصنع منه رقائق من العجين، وبعد طهيها، يتم تزيينها بالمرق الذي يحضر بالعدس وطماطم، البصل توابل مختلفة مثل ربيطة او لحية الشيخ، “ما”، العود لكحل، سكنجبير، راس الحانوت نجمة الارض كمون، لبزار، فلفل اسود، ولحم.

فيما كانت ” السفة” التلمسانية حاضرة بهذا المطبخ حيث، وفي هذا تقول السيدة نرجس بوعزة عبيد أن هذا الطبق مازال ساري المفعول في البيت التلمساني، والسفة عبارة حبات كسكس يضاف إليه العسل، الزبيب، اللوز، أي حسب القدرى الشرائية لرب البيت.

وإلى منطقة السهوب نجد المرأة في منطقة الجلفة تفتخر بطبق الرفيس، حيث أتحفتنا السيدة الطاهية مدني حدة بطريقة تحضير هذا الطبق، المصنوع من السميد تمر الغرس والزبدة أو ذهان المستخرج من حليب النعجة، وهي أكلة مشهورة خاصة مع حلول اليوم الأول من الربيع، أو جز الغنم.

من منطقة تيزي وزو، أتت السيدة صام سامية بطبق الكسكس الذي تدخل ضمن طريقة تحضيره بنكهة الزيت شجرة الزيتون المباركة، والحمص، وانواع أخرى من البقالويات، المعروفة خاصة في فصل الشتاء، بالإظافة إلى اللحم او الخضروات.

إلى قسنطينة حضرت الطباخة الماهرة باريا بوصافر طبق الشخشوخة بالظفر، والكسكس المسمى بـ ” لمحور” بالدجاج ولحم الخروف، بالإضافة إلى الخضروات.

إلى ورقلة أتحفت بن كريمة رقية أركان المطبخ الجزائري بطبق الكسكس الشهي المصنوع من الأعشاب الصحية المستخرجة من الطبيعة مثل الزعتر، مقل السيف، القرطوفة، وتضاف هذه المواد إلى مرق أحمر به لحم الخروف والبوزلوف، وماء التمر المصفي من بقايا التمر، بالإضافة إلى الخضروات، والفول وفلفل أحمر، نفس الصنف من طبق الكسكس نجده عند سكان مدينة غرداية حسب ما أكدته لنا السيدة لوكا ليلى باستثناء البوزلوف.

إلى لؤلؤة البحر المتوسط يصادفنا طبق الكسكس بالحوت او السردين الذي تشتهر به ولاية جيجل حسب ما أكدته لنا الحاجة عريض فاطمة الزهراء، وكذا الكسكس الأبيض دون خضروات، تقريبا نفس الكسكس نجد في باقي المدن الساحلية مثل مستغانم شرشال تيبازة، سكيكدة..

كما حضرت السيدة عمران وردة طبق ” الرفيس الزيراوي” وكسرة رخسيس، إلى الساحل الغربي من الجزائر العاصمة وبالضبط إلى شرشال استحضرت الحاجة حورية رياض طبق البركوكس بالدوارة – كرش الغنم او البقر- او –العصبان-  من أجندة مطبخ الأصيل بنكهة راس الحانوت.

بالإضافة إلى المقرنة من ابداع السيدة علوش عيدة من مدينة القليعة، والبرغل وكسكس الحمّامة البلدية مدينة الورود تفننت في صنعهما الماهرة في فن الطبخ بوقلماني رزيقة، إلى مدينة الشلف الساحلية التي صنعت سحر البحر المتوسط أتحفت السيدة فراح زبيدة مائدة العاصمة في هذه الفعالية بطبق كسكس الحموم أو لحلحال وهذا الأخير عبارة عن عشبة مرة المذاق، ويعد هذا الكسكس ذو الجودة الرفيعة الذي يقدم بالحليب الرايب، والسكر، إلى بجاية مدينة العلم والمعرفة حضرت السيدة بن موسى تمعزوزث طبق ” تكربابين” الذي يصنع من دقيق الخشن والبهرات واللحم بنوعيه والبيض والزيت، هذه الأكلة التي تشتهر به المنطقة له طعمه الخاص وذوقه الرفيع.

  • في رحلة البحث في جغرافيا الكسكسي الجزائري

أثبتت الدراسات والمصادر التاريخية أن طبق ” الكسكسي” ينتمي حضاريا إلى الجزائر، وذلك حسب الحرفيات التي اكتشفت في مناطق عدة من الجزائر، تقول حميدة أقسوس محافظة المهرجان الوطني لإبداعات المرأة في حديثها مع ” الحوار” أنها قبل الشروع في تنظيم هذا الحدث الثقافي خلال الفترة الممتدة بين 5 جوان إلى الـ 11 منه, بقصر رياس البحر حصن 23 في إطار فعاليات المهرجان الوطني الخامس لإبداعات المرأة الذي نظمته وزارة الثقافة الجزائر، قامت برحلة بحث قادتها إلى غمار التاريخ الجزائري لتقصي عن منبع ” الكسكسي”، وتوصلت إلى أن المؤرخة ” لوسي بولنس” اكتشفت أواني فخارية بالجزائر، كانت تستعملها المرأة الجزائرية لغرض طبق الكسكس، عثر عليها في قبور تعود إلى عهد ” ماسينيسا” أي في فترة تعود إلى القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد، كما أجريت حفريات أخرى بمنطقة تيارت بالغرب الجزائري تشهد على وجود طبق الكسكس بالجزائر، حيث كشفت أثار لأواني منزلية مصنوعة من تعود تاريخها تشبه بكثير للأواني التي تستعمل لهذا الغرض، وعليه تقول أكسوس واعتمادا على هذه المصادر التاريخية يمكن اعتبار الجزائر  مهد ” الكسكس” علما تضيف ذات المتحدثة أن الأراضي الجزائرية الشاسعة كانت تستغل لزراعة القمح، خاصة القمح الصلب، وتشير ذات المصادر إلى أن مملكة نوميديا” كانت تسمى بـ” خزان روما” للقمح، وهذا الأخير كان محل نزاع بين داي الجزائر والتاجرين اليهوديين ” بوشناق وبكري” اللذين كانا يعملان لصالح فرنسا في القرن التاسع عشر، حيث امتنع هذين الجاسوسين دفع مستحقات الصفقة التجارية التي أبرمت بينهما وبين الداي حسين، وكان هذا النزاع سبب في احتلال الفرنسي للجزائر وليس حادثة المروحة كما هو مشاع بيننا، وأشارت نفس المتحدثة إلى أن مادة الشعير والقمح كانتا تشكلان الغذاء الرئيسي لسكان شمال إفريقيا وهما المادتان اللتان تدخلان في تحضير طبق الكسكسي، مما يؤكد تقول حميدة أننا أصحاب هذا الموروث الثقافي بكل استحقاق وجدارة، موضحة في الوقت ذاته أنه بعد الفتح الأندلس بقيادة طارق ابن زياد تقول أقسوس تم نقل هذا الطبق إلى إسبانيا ومنه إلى البرتغال ومع احتلال هذا الأخير للبرازيل نقله هو الأخر ضمن لوازم حقيبته الثقافية، لينتشر بعدها في ربوع المعمورة.

  • عيد يناير … وحكاية طبق الكسكس العريق

أكد سيد علي لحلو صاحب مؤسسة فتل الكسكسي باليد في حديثه مع مجلة ” الحوار” أن المجتمع الجزائري اعتاد بحلول 12 من شهر جانفي من كل عام الاحتفال بذكرى مرتبطة أساسا بانتصار الملك الامازيغي الاول “شوشناق” سنة 950 ق/م على الفراعنة الذين حاولوا الدخول إلى مناطق شمال أفريقيا وجنوبها، حيث كانت تلك المعركة حاسمة وفاصلة غيرت من شأنها شكل التاريخ القديم، كما ارتبط هذا التاريخ أيضا في تقويم الناير إلى ما يسمى بالتقويم الفلاحي الذي يتبعه الفلاحون في زراعاتهم لضبط السقي والغرس ،إذ يشكل يناير نهاية موسم الحرث، حيث تقوم ربات البيوت بالمناسبة بإعداد وجبات خاصة للعائلة تكون عادة مصنوعة من مادة الشعير والقمح، وفي مقدمتها طبق الكسكسي، وأيضا أكلات شعبية من ذات المصدر، مثل الرشتة، الشخشوخة، التريدة، وهذا ما يبين يقول لحلو أن أصل الكسكسي هو المطبخ الجزائري القديم، من جهتها أوضحت حميدة أقسوس محافظة المهرجان الوطني لإبداعات المرأة  أن بعض المصادر التاريخية تشير إلى أن أكلة الكسكسي ذات أصول جزائرية وذلك تؤكده حسبها المؤرخة ” لوسي بولنس” التي اكتشفت أواني فخارية بالجزائر، كانت تستعملها المرأة الجزائرية قيل أنها تشبه تلك التي نستعملها في تحضير  طبق الكسكس،في راهننا اليوم، حيث عثر عليها في قبور تعود إلى عهد ” ماسينيسا” أي في فترة تعود إلى القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد، كما أجريت حفريات أخرى بمنطقة تيارت بالغرب الجزائري تقول حميدة  تشهد على وجود طبق الكسكس بالجزائر.

مقالات متشابهة