15 يناير، 2021
الحوار الجزائرية
المجلة

 هكذا يعاني مرضى البهاق في صمت !

  • تنمر مجتمعي يفوق المرض

البهاق مرض جلدي يحدث بسبب فقدان لون الجلد الطبيعي، وظهور بقع بيضاء اللون في الجلد، أو في أي جزء من الجسم. ورغم أن البهاق لا يعد مرضا معديا، إلا أن معاناة مرضى البهاق لا تنتهي. فمنذ تشخيص المرض ومعرفة سبب المشكلة الصحية، تبدأ رحلة العلاج، وتبدأ معها رحلة أخرى مع نظرات الناس وهمساتهم وتعليقاتهم المؤلمة في أحيان كثيرة، خوفا من انتقال العدوى إليهم، على الرغم من كون المرض غير معد، ما يتسبب في عزل الكثير من المصابين بالبهاق عن العالم، سواء بقرار من المحيطين أم منهم أنفسهم. وهناك من يقرر المواجهة ويستمد من البقع المنتشرة في أنحاء الجسد قوة الدفع، لاستكمال الطريق الذي ربما لا يعرف نهايته في محاولة لعلاج الزاحف الأبيض، والوصم الاجتماعي في الآن ذاته.. ولمعرفة أكثر عن تفاصيل معاناة مرضى البهاق مع التنمر الاجتماعي، كان للحوار حديث مع بعض المصابين، الذين فتحوا قلبهم للحوار، للحديث عن معاناتهم من التنمر، حيث يرون بأن ألم الوصم والتنمر يفوق المرض في حد ذاته.

•روبورتاج/ سناء بلال

  •  تصالحت مع مرض البهاق ولن أتصالح مع من يجرحني

حنان، شابة في مقتبل العمر، في منتصف العشرينيات، تروي حديثها مع مرض البهاق، قائلة: كنت فتاة عادية، حتى ظهرت بقعة بيضاء صغيرة بجوار فمي. لم أعلم في البداية ما الذي أصابني. وذات يوم، وأنا متجهة إلى مقر عملي مثل العادة، حتى جاءتني إحدى زميلاتي، وعندما اقتربت مني نظرت إلى تلك البقعة البيضاء، وفجأة تراجعت عن مصافحتي، وسحبت يدها من يدي، بطريقة سريعة، وأخذت تتمتم مع نفسها: ” يا إلهي. ربما هي مصابة بفيروس معد، يا رب استرني”.. كلامها وطريقة تصرفها معي جرحتني كثيرا، وأدخلت الوسواس إلى نفسي، وأخذت أحدث نفسي، يا الله، ربما أنا حقيقة مصابة بفيروس معد.. مباشرة، قررت التوجه إلى الطبيب فورا، لأعرف ما أصابني من تلك البقع البيضاء بجوار فمي. عندها، أخبرني الطبيب بأنني مصابة بمرض البهاق، وتم تشخيص مرضي، في ما بعد، عرفت وبحثت عن البهاق أكثر، فعرفت أنه مرض مناعي، يتأثر في المقام الأول بالحالة النفسية.. ولسوء حالتي النفسية، انتشرت البقعة في وجهي، ومنها إلى باقي أنحاء جسدي. بعد مرور عامين، أصبح البهاق صديقي، بينما نظرات الاحتقار للناس إلي أصبحت هي العدو الأكبر، فكلما ذهبت إلى أي مكان أواجه العديد من الأسئلة المحرجة.. هل هذا عيب خلقي؟ هل هو معد…؟؟؟ بالإضافة إلى أكثر كلمة تجرحني وتقهرني، وهي: يا مسكينة، واش بيها هذي مشوهة.. هكذا أخذت رحلة طويلة للبحث عن أي علاج يريحني من نظرات الاحتقار للناس إلي، لكن، في نهاية المطاف، وبعد أن أنفقت أموالا طائلة دون فائدة، قررت التعايش مع البهاق، وتصالحت معه، بينما لن أتصالح مع من يجرحني ويقهرني نفسيا.

  •  قررت أن أحب نفسي كما هي.. وأتعايش مع البهاق

تروي منال حكايتها مع مرض البهاق، قائلة: زارني البهاق وأنا طفلة صغيرة، لا تتجاوز الثامنة من العمر، وكان على هيئة نقطة بيضاء صغيرة الحجم في وجهي. في وقتها، ولصغر سني لم أمنحها أي اهتمام، وبعدها بدأت البقع البيضاء تنتشر بشكل ملحوظ، وأصبح هذا هاجسا لوالدتي ولكل عائلتي، وتحولت حياتنا إلى القلق والتوتر الدائم، وأصبح البهاق محور حديث عائلتي طوال الوقت، خوفا منهم أن يدمر البهاق حياتي ويمنعني من الزواج، وكأنني أصبحت وصمة عار على المجتمع.. لم تترك عائلتي بابا دون أن تطرقه، وتحولت جميع تحركاتنا إلى البحث عن الأطباء. فكان هذا الاهتمام المبالغ فيه من عائلتي بمرضي أثر سيئ على نفسيتي، وأكثر موقف مؤثر أثر فيّ عندما قامت صديقتي في حصة العلوم الطبيعية بطرح سؤال على المعلمة حول البهاق؟ وهل هو مرض معد؟ ثم أشارت بأصبعها تجاهي حتى ينتبه الجميع إلي، رغم أنها تعلم كل شيء عن مرضي، إلا أنها عمدت إلى إحراجي، بينما المعلمة أنقذت الموقف ولم تكترث لحديثها وسؤالها.. مرات عديدة أطرح الأسئلة على نفسي: لمَ أنا مجبرة على تحمل كل هذا الألم وحدي دون أن يشعر بي أحد؟؟ لم لا أتقبل شكلي هكذا وأنا لست بالفتاة القبيحة.. ومنذ هذه اللحظة، قررت أن أعيش حياتي وأن أتقبل مرضي وأحب نفسي كما هي، وقررت منذ مدة ألا ألجا إلى أي طبيب.. وأنا أرضى بشكلي وأحمد الله على كل شيء، رغم معاناتي مع التنمر منذ طفولتي حتى الآن. وبالنسبة إلى الزواج، فقد فوضت أمري إلى الله، إذا كان لي نصيب في الزواج أو لم يكن، فأنا راضية بكل شيء.

 

  •  قهرني المرض والناس أيضا

تقول جويدة، 28 سنة: أنا مريضة بمرض البهاق، منذ كان عمري 15 سنة، ورغم أنه مرض لا يعدي، فهو قادر على تدمير الحالة النفسية لصاحبه، حيث سهرت ليالي طويلة أبكي سرا بسببه، عندما مرضت كنت في مرحلة التعليم المتوسط.. بدأ بنقاط صغيرة على يدي وصدري، وتوغل مع مرور الوقت في اليدين والوجه، حتى أصبحت أرتدي قفازات كي لا يظهر. عند انتقالي إلى المرحلة الثانوية، بدأت بقع البهاق تكبر. ورغم أنني كنت أتابع حالتي مع طبيب، رحت أسأل نفسي كل يوم: لماذا تكبر البقع بهذا الشكل؟ بعدها أصبحت هزيلة الجسم، لا آكل ولا أشرب ولا أعرف طعم النوم، وزاد ألمي أكثر عند دخولي الجامعة، حيث أصبح البهاق ظاهرا أكثر. كنت أمشي في الطريق والناس ينظرون إلي باستهزاء. لا أنسى تعليق أحدهم حين قال: “انت كابتشينو أم ماذا؟ ليزداد الاستهزاء مع عدم ردي، ويقول كابتشينو، يعني أنت قهوة بالحليب، جزء أبيض وجزء أسود. وآخرون يقولون لي: كيف حالك يا البرص؟ وما كنت أستطيع الرد نهائيا، فكان يصيبني السكوت التام، وكنت أبكي فقط. وفي هذه المرحلة الصعبة، تعرفت على شخص في الجامعة يعلم بمرضي. ورغم تقبله لي في البداية، إلا أنه للأسف الشديد تأثر بكلام زملائه الذين يقولون له: “اتركها، فهناك فتيات جميلات.. ماذا تريد من فتاة مشوهة بالبهاق؟” أكثر ما قهرني، هو سماع خبر خطوبة حبيبي الذي كنت أحسبه حبيبي، لصديقتي. شعرت حينها بالموت. لا يمكنني أن أنسى وجع قلبي وقتها.. راودتني عدة أسئلة: هل كان يحبني بالفعل؟ هل كان يستهزئ فقط بمشاعري؟ والأسوأ من كل هذا، أنه أنهى علاقتنا بمكالمة مدتها ثوان فقط، وقال جملة لا يمكنني نسيانها: أهلي لا يريدونني أن أتزوج بمريضة بهاق. منذ ذلك الحين لم أدخل في أي علاقة عاطفية. لقد قهرني المرض والناس والرجال.

 

  •  عاملونا كأشخاص طبيعيين.. البهاق لا ينقص منا شيئا

نجم الدين، شاب في منتصف الثلاثينيات، يروي لنا معاناته مع مرض البهاق، قائلا: نظرات الناس وعيونهم المتجهة دائما إلى يدي ووجهي وحذرهم الشديد في التعامل معي، ومحاولات تجنب مصافحتي، كان أكثر ما يتكرر معي، منذ كنت في عمر 12 سنة. وفي ضوء ذلك التنمر وسوء معاملة البعض، كان أهلي وأصدقائي خير داعم لي، ساعدوني في مواجهة العالم الخارجي بكل ثقة، وكنت حريصا على الحضور في جميع التجمعات والمناسبات العائلية وغيرها، لكن ذلك لم يستمر طويلا، تعرضت لكبوات عدة عندما كان يتم رفضي في وظائف العمل التي أتقدم إليها، لمجرد كوني مريض بهاق، والمظهر الخارجي شرط أساسي لدى الكثير من الشركات، لذا قررت العمل في أعمال حرة، حتى لا أكون تحت سيطرة أي أحد.. رسالتي إلى الناس: “عاملونا كأشخاص طبيعيين.. البهاق لا ينقص منا شيئا”.

 

  •  مرضى البهاق بين التنمر ومحاولات فرض التقبل الاجتماعي

لطالما كان التعايش مع المرض المزمن بصرف النظر عن نوعه ودرجة خطورته، أمرا متعبا ويخلق صراعا مستمرا بين الأمل واليأس، لاسيما في ما يتعلق بالأمراض المشوهة أو الجلدية، التي تكون ظاهرة بشكل واضح على مناطق مثل الوجه أو اليدين أو الذراعين أو القدمين، إذ تزداد الأمور في هذه الحالة تعقيدا، خاصة أن الجلد هو النسيج الظاهر والأكثر وضوحا في جسم الإنسان، وبالتالي، فإن أي عيب فيه يؤثر على نفسية المصاب، ومع ذلك، يرى العلماء بأن التعامل بإيجابية مع هذا النوع من الأمراض قد يشعر المصاب بالاحتواء ويحفز المجتمع المحيط على تقبل الاختلاف بجميع أشكاله. وعلى ذلك شهد العقد الماضي اهتماما متزايدا بالتأثيرات النفسية على مصابيه. فلقد حاول الخبراء من خلال دراسات عدة، فهم الطرق والاستراتيجيات التي يمكن التعامل بها مع هذه الحالات، دون أن يفقد المريض شعوره بالراحة أو الثقة بالنفس، ودون أن يزعزع جاذبيته الجنسية حتى.

 

الأخصائي النفساني محمد زميرلي

  • البهاق قد يؤدي إلى الانتحار أو الدخول في نوبات عزلة دائمة

يقول الطبيب النفساني، محمد زميرلي، خلال حديثه عن معاناة مرضى البهاق من التنمر، إنه على الرغم من أن البهاق ليس معديا، إلا أنه يرتبط تأثيره بالمشكلات النفسية، مثل تدني احترام الذات والإحراج والأثر السلبي على العلاقات الجنسية والعزلة الاجتماعية والتمييز.. لذلك، يصبح عائقا أمام البحث عن العمل والزواج. ويضيف الدكتور محمد زميرلي أنه مطلوب توعية المجتمع وتغيير المفاهيم عن هذا المرض، وتعزيز تقبل الذات لدى المصابين، لدى غالبيتهم عدم احترام للذات، ويشعرون بقلة الثقة بالنفس والنقص، وهذا يؤدي في أحيان كثيرة إلى الإقدام على الانتحار أو إلى تعاطي المخدرات، أو إلى الدخول في نوبات عزلة دائمة.. وعن دور الطبيب النفسي في هذا الأمر، يقول محمد زميرلي: نعمل على وصف أدوية للتغلب على الاكتئاب، ونساعد المرضى على أن يشغلوا أنفسهم بنجاحات خاصة بهم، حتى يتمكنوا من التغلب على أضرار البهاق النفسية والاجتماعية.

 

الدكتور بن دالي أحمد مختص في الأمراض الجلدية والتناسلية:

  • البهاق مرض مناعي وسبب الإصابة صدمة عصبية أو نفسية

 يسرد الدكتور المختص في الأمراض الجلدية والتناسلية، بن دالي أحمد، عن أعراض وأسباب وطرق معالجة مرض البهاق، حيث أشار إلى أن للبهاق عدة أنواع،إذ إنه يظهر في الأطراف وفي الرأس، ويوجد أيضا البهاق العصبي الذي يظهر في مناطق محددة من الجسم، في ناحية واحدة فقط. كما أوضح الدكتور بن دالي أحمد أن البهاق ليس من الأمراض المعدية، فلا داعي للخوف وتجنب المريض المصاب بالبهاق. أما عن إمكانية أن يأتي البهاق بشكل مفاجئ، هنا يؤكد الدكتور بن دالي أن مرض البهاق يأتي بشكل مفاجئ، خاصة بعد صدمة عصبية أو نفسية، حيث إنه من الممكن أن ينام المريض ويستيقظ، ليجد بقعا شديدة البياض، ظهرت فجأة. وعن أحدث الطرق العلاجية للتخلص من البهاق، يقول الدكتور بن دالي إن بهاق الوجه من أسرع أنواع البهاق التي يتم علاجها، وأسهلها، ولكن بهاق الجسد يحتاج نوعا من الجلسات الإشعاعية. ويضيف الدكتور بن دالي أنه مع ظهور التطورات والطفرة العلاجية حاليا، أصبح العلاج يأخذ وقتا قليلا عن طريق الليزر الكربوني وعلاج الوخز بالإبر، مع إضافة بعض الأدوية المنشطة لخلايا اللون داخل الجسد.

 

 

مقالات متشابهة