15 يناير، 2021
الحوار الجزائرية
المجلة

كورونا.. بتوابل سياسية

لم يكن وباء كورونا مجرد وباء معد من اختصاص الأطباء، بل سيبقى ضيفا ثقيلا ستحكي عنه أجيال لأجيال، لأنه أخلط الليل بالنهار، وألغى حدود الطب مع السياسة، وأعاد الصراع بين التكتيك والاستراتيجيك.. كورونا باختصار قلب العالم رأسا على عقب، لأنه رسم حدودا جديدة في كل شيء في الطعام والشراب والعمل والدراسة والاقتصاد والسياسة والاجتماع.

•سامية حميش

 

يقال تعددت الأسباب والموت واحد، لكن مع ذلك لم يكن نفس الوقع لعدد الوفيات في الصين، وهي بؤرة الوباء وبلد المليار نسمة، من الوقع والتأثير السياسي على الحكومات في أمريكا وفرنسا وايطاليا وإسبانيا والبرازيل وجنوب افريقيا والهند التي تجاوز عدد مواطنيها من ضحايا كورونا، أكثر من العدد المعلن عنه رسميا في الصين. لم يكن للوفيات نفس الوقع والصدى، لا هنا ولا هناك، بالرغم من أن الموت واحد. مثلما لم يكن لعدد البطالين بفعل كورونا في الولايات المتحدة، نفس الوقع في إفريقيا وأوروبا، أمام معركة انتخابية شرسة بين ترامب وبايدن، كان للبطالين دور في حسمها لفائدة هذا الأخير الذي أخرج ترامب من البيت الأبيض.

أحدث كورونا حربا سياسية ودبلوماسية وطبية على أكثر من صعيد، لقد كانت المعركة بين الأطباء أنفسهم على أشدها، بحيث خرجت من المخابر ومراكز البحث إلى بلاطوهات التلفزيونات، في نقاشات متضاربة بشأن فيروس لا يزال يخفي كل أسراره، وامتد ذلك ليلقي بظلاله في عودة خطاب “المؤامرة تارة “في تصريحات العديد من رؤساء الدول، على غرار الرئيس الأمريكي الذي يتهم الصين بنشر الفيروس الذي صنع في مخابرها، حتى في غياب الأدلة، وفي كفر إيطاليا بـ”الاتحاد الأوربي”، بعدما كشفت كورونا عورتها أمام العالم عن حالة منظومتها الصحية المنهارة، أو حتى في تضارب مواقف الطبقة السياسية مع الحزب الحاكم في فرنسا، القوة الاقتصادية الخامسة في العالم، لأنها كانت عاجزة عن توفير الكمامات بالعدد الكافي لمواطنيها، رغم توفرها على نسيج صناعي وتكنولوجي ضخم.

ولم يكن كورونا مجرد أزمة صحية، بل تحول إلى قضية سياسية بامتياز، فبالنسبة للدول التي سجلت أرقاما مرتفعة في الوفيات، الصين أخفت عن العالم عدة حقائق عن هذا الفيروس، ولم تصرح بالعدد الحقيقي لموتاها، حتى لا يكون وقع الصدمة كبيرا على مواطنيها، وهو ما ذهب إليه الرئيس ترامب الذي تحولت بلاده الى بؤرة الوباء الأولى في العالم، حيث وجه بندقيته نحو منظمة الصحة العالمية، التي قطع عنها المساعدات واتهمها في ذات الوقت بأنها موالية للصين على حساب البقية، فقط لأنها طالبت في احدى لوائحها بجعل اللقاح في متناول الجميع بدون استثناء، وصفى أيضا قضيته مع المهاجرين، بمنع الهجرة الى بلاده في عز أزمة كورونا، رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية غلقت حدودها منذ مدة مع الصين، ودول الاتحاد الأوروبي، وأمريكا اللاتينية، ما يعني استغلال جائحة كورونا لتمرير قرارات سياسية كان يصعب تنفيذها في الأوقات العادية. كما استغلت دول الاتحاد الأوروبي، حجة كورونا، لإصدار قرار بمنع تصدير المواد الطبية والصيدلانية خارج دول الاتحاد، وفي مقدمتها الدول الافريقية، في عقاب جماعي لمواطني القارة السمراء الهشة أصلا طبيا.

ونفس العقاب ينتظر ممارسته، بخصوص “دمقرطة” اللقاح، بحيث تتعارك المخابر الدولية على غرار فايزر، جونسون جونسون، زينكا، صانوفي وغيرها، على كيفية رفع أسهمها في البورصة، وتمكين دولها من حصرية الحصول على اللقاح، قبل التفكير من أن هذه الأزمة الصحية هي عالمية وتحتاج إلى حلول وتنسيق دولي لطي صفحتها، وهو المعطى الغائب، إذ تنظر هذه المخابر المتعددة الجنسيات لوباء “كوفيد 19” صفقة تجارية بملايير الدولارات، وليست قضية إنسانية بملايين الضحايا. ولعل هذا وراء تشديد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس “إذا لم يحصل سكان الدول ذات الدخول المتوسطة والمنخفضة على اللقاحات، فإن الفيروس سيواصل الفتك بالناس، كما سيتأخر التعافي الاقتصادي على مستوى العالم”.

من جانب آخر، رسخ كورونا العقدة الفرنسية التاريخية من ألمانيا، بحيث أظهر الرأي العام الفرنسي عتابا ضد حكومة ماكرون، لعدم حمايتها للمواطنين صحيا من فيروس كورونا مقارنة طبعا بما فعلت حكومة المستشارة أنجيلا ماركل بألمانيا، شريكتهم الكبرى في الاتحاد الأوربي، بعدما تجاوز عدد الوفيات بفرنسا عتبة 40 ألف ضحية، فيما سجلت ألمانيا 10 آلاف، رغم عدم تطبيق حجر صحي مشدد مثل فرنسا.

وهزم كورونا الرئيس الأمريكي الذي واجه معركة مشابهة مع حكام المقاطعات، فهو ضد الحجر الصحي الذي خلق له 20 مليون بطال، وهو رقم ضرب طموحه الانتخابي في عهدة ثانية في البيت الأبيض، ما جعله يتهم الديمقراطيين بأنهم يريدون خلق أزمة اقتصادية في البلاد، ولا يهم في ذلك إن تجاوز عدد الوفيات في بلاده عتبة 250 ألف وفاة خصوصا في نيويورك. لقد دفع كورونا بالحكام والسياسيين الى تصفية حساباتهم السياسية مع خصومهم في الداخل والخارج، بحيث سقطت حكومات في أوروبا، وأعادت أخرى تحالفاتها وقائمة شركائها، ورسمت أخرى مناطق نفوذها وغيرت أمريكا جلدها وأظهرت الصين علو كعبها ووقفت روسيا ندا مع خصومها.

لم يكن بالمقدور لأي حكومة، لولا كورونا، فرض الحجر الصحي وحظر التجوال ومنع التجمعات والتظاهر والتنقل، وهي من الحقوق والحريات المنصوص عليها في العهد الدولي لحقوق الانسان، وهناك من استغل الظرف للتضييق على الحريات، وهناك من استعمل الوباء كغطاء للاستمرار في ممارسة الانتهاكات، وهناك من اختار الإبقاء على الاقتصاد مفتوحا على حساب صحة المواطنين، وهناك من كذب على شعبه، بخصوص توفر الكمامات، بل حتى بأكذوبة الوباء، كما فعل ترامب وبولسونارو في البرازيل، فقط حتى لا تزول مساحيق الماكياج على وعود انتخابية لم تجد طريقها الى الواقع.

وغذى فيروس كوفيد 19 الحرب والصراع على أشدهما بين المخابر العالمية، بشأن التجارب حول اللقاح، بحيث سقطت أسهم شركات في لمح البصر وصعدت أسهم أخرى، وضبطت البورصات العالمية عقارب ساعتها على توقيت آخر، بعدما كانت مرتبطة بتوقيت سعر برميل النفط الذي انهار منذ وقت ليس بالقصير، بحيث تحولت أخبار اللقاح واكتشافاته المتحكمة في نرفزة البورصات صعودا أو نزولا، وكأن كورونا أضحى القلب النابض لهذا العالم الجديد، بعدما انتهى عالم ما قبل كورونا. لقد اختلطت الوطنية بالشعبوية والقومية بالانعزالية، وبعدت المسافة بين اليمين واليسار وبين الغرب والشرق، وأغلقت الحدود برا وبحرا وجوا، وضاع شعار ترامب “أمريكا أولا” وخلفه شعار آخر “عالما متعددا” لا قطبية فيه وأقل تلوثا بيئيا وعنصريا، مثلما هتف به الناس من جكارتا الى البرازيل ومن جنوب افريقيا الى أوتاوا.

ويجمع الخبراء والمختصون أن العالم ما قبل كورونا ليس كالذي بعده، وتوقع وزير خارجية فرنسا أنه “سيكون أسوأ” من سابقه، في مؤشر على أن وجه العالم الجديد تجلت ملامحه حتى قبل اجتماع الدول الخمسة صاحبة حق “الفيتو” لاختيار ألوانه وأبطاله وضحاياه، لأن كورونا لم يكن مجرد فيروس، مثلما يعتقد البعض، بل كان أكبر من “اليد الخفية” التي تحدث عنها أدم سميث في تنظيم السوق الحر، وأكبر من قدرة استيعاب المستشفيات، وأكبر من تصور وصفات الأطباء، لأنها جائحة غيرت العادات الأسرية والسلوكات المجتمعية والثقافات والاستهلاكات، وبدلت الأولويات، ورسمت الاستراتيجيات والعلاقات الدولية بسرعة تشبه سرعة انتشار الفيروس.

 

مقالات متشابهة