26 نوفمبر، 2020
الحوار الجزائرية
المجلة

الدكتورة أسماء بن قادة: الأنوثة مقام معرفي ..ولغة السوق المطلبية لا تنفعنا

 

قالت الدكتورة أسماء بن قادة إن” وضع المرأة الجزائرية، تحسن على مستوى الواقع، لاسيما في موضوع الطلاق والنفقة والسكن والعنف ضد المرأة والذمة المالية المستقلة“، مبرزة في لقاءها مع مجلة”الحوار”: بأن”تفعيل المشاركة السياسية للمرأة في المجالس المنتخبة يهدف إلى خلق ما يسمى بالكتلة الحرجة من أجل التمكن من إدراج المنظور النسوي في عمليات التشريع والتعديل والمبادرة” وتساءلت الدكتورة أسماء بن قادة في ذات اللقاء، ردا على أصوات نسائية بمناسبة مشاركتهن في الحراك، أين هي الدراسات النسائية التي باتت فرعا يدرس في الجامعات؟ وأين هن النساء الأكاديميات اللواتي ألفن كتبا علمية عن المواضيع التي تخص المطالب؟ أين هي التصورات الفكرية حول تلك المطالب؟مشيرة إلى “أن لغة السوق المطلبية لا تنفعنا”.

•حاورتها: مليكة ينون

  • نبدأ حديثنا حول واقع حياة المرأة الجزائرية، كيف تشخصه الأستاذة أسماء بن قادة، هل هي راضية عما حققته أم ينتظر منها افتكاك مكاسب أخرى؟

    القضية لا ترتبط بعملية افتكاك يقوم على عصبية انتزاع يأتي على أثر الصراع، ولكن الثغرة تكمن في أن التحولات التي عاشتها المرأة في الجزائر لم تكن قائمة على رؤية معرفية وزخم فكري وأكاديمي مبني على بحوث ومعطيات علمية نتاج تعاون تخصصات مختلفة مبنية على تعددية المناهج والتخصصات، ومن ثم فإن أي تشخيص يخضع للأرقام والجداول ومنظومة القوانين بعيدا عن قراءة معرفية ومقاصدية وفلسفية لا قيمة له، ومن ثم يمكننا القول بأنه طالما لم نحدد  الخلفية التي ننطلق منها لا يمكننا  التعبير عن مدى رضانا، ولكن هذا لا يمنع من أن هناك تحسن في وضع المرأة على مستوى الواقع، لاسيما في موضوع الطلاق والنفقة والسكن…والعنف ضد المرأة والذمة المالية المستقلة…الخ.

    • شكلت حصة المرأة في مراكز صنع القرار والمؤسسات الحكومية والمجالس المنتخبة، نسبة مهمة تلقيت إشادة منظمات دولية،لكن بعض الجمعيات النسوية لا تزال ترى أن الجزائرية مطالبة بمواصلة النضال لتحقيق المساواة؟

     عندما نغير ينبغي ان نغير لأنفسنا وتبعا لرؤانا وتصوراتنا ودراساتنا وما انتهت إليه من نتائج، وليس بضغط من الاخرين او تلبية لمطالبهم، نحن “أقصد المرأة والرجل ” خلقنا مختلفين والاختلاف يفرض أن يكون لكلانا معاييره الخاصة، والمطالبة بالنسبة الي ينبغي ان تقوم على حق الاختلاف الذي ينتج عنه في اغلب الأحيان موقفا مختلفا ورؤية  مختلفة، إنها الولاية الايمانية المتبادلة كما حددها الله عز وجل في القرآن الكريم  ) والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر(، وإذا التقت نتائج اجتهاداتنا مع حقائق علمية توصل إليها علماء أو عالمات في أماكن أخرى فنحن نرحب بذلك حيث كلنا بشر يبحث ويجتهد وقد نلتقي عند مساحة تقاطع تكون مجالا مشتركا لا نحمل تجاهه أي عقدة أو عصبية فالحكمة ضالة المؤمن، ولاينبغي أن ننسى أبدا مقولة سيدنا علي رضي الله عنه “انسان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق” لذلك ليس هناك آخر في الإسلام وحظوظ التقاطع والاتقاء كثيرة باعتبارنا بشر، أما ديننا فهو بين جنبينا والرسوخ في العقيدة قائم كما هو سعينا للرسوخ في العلم.

    • صادقت الجزائر سنة 1996، على الاتفاقية الدولية لمحاربة كل أشكال التمييز ضد المرأة، التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، سنة 1979، هل تعتقدين أننا ملتزمون بهذه الاتفاقية، وما تعليقك لانتقادات المنظمات الدولية حول واقع المرأة الجزائرية.

    نعم إلى حد كبير ما عدا بعض التحفظات حيث هناك مساحة تقاطع كبيرة بين ما جاء في قانون الأسرة وغيره من القوانين المتعلقة بالمرأة، أما التحفظات فهي مسألة طبيعية على اعتبار الاختلاف في بعض القضايا المرتبطة بالقطعيات الدينية وهي قليلة وربما  كما أن هناك مواد تخضع للاجتهاد العلمي  وهذه ينظر فيها.

    • بلغ العدد الإجمالي للنساء اللواتي ترشحن للانتخابات البرلمانية، سنة 2017، قرابة أربعة آلاف امرأةً، أي 31.33% من إجمالي عدد المترشحين، هل هذا الرقم يكفي للتمثيل السياسي للمرأة ؟

    إن تفعيل المشاركة السياسية للمرأة في المجالس المنتخبة  يهدف إلىى خلق ما يسمى بالكتلة الحرجة من أجل التمكن من إدراج المنظور النسوي في عمليات التشريع والتعديل والمبادرة…الخ، وذلك بناء على نظريات علمية وأكاديمية من ناحية وتجارب عملية انتهت إلى أهمية دور المرأة في تحقيق السلم مثلا وحماية البيئة والحد من الفساد…الخ.

    • بعض الجمعيات النسوية تدعو الى المساواة في الميراث وإلى تجنيد المرأة، ما قولك؟

    إن دعوة   الجمعيات النسوية الداعية إلى المساواة في الميراث والتجنيد، تتسع أكثر فأكثر وهذا يدل على أن هناك مشكلة ينبغي أن تدرس لأن  الواقع مليء بالتناقضات المستفزة لعقول النساء وللمنطق أيضا فيما يخص هذا الموضوع ن، إذن الأمر لا يرتبط  بالنظر في طلب  النساء المساواة في الميراث ولكن في أسباب مطالبة النساء بالمساواة في الميراث وعند ها سنقف عند أمثلة وحقائق مثيرة ينبغي البحث فيها.

    • هل تؤمنين بالمساواة بين الجنسين؟

    إن العلاقة بين الرجل والمرأة تقوم على مبدأ الزوجية فنحن مختلفان من حيث الطبيعة متساويان من حيث الدستور ولأننا مختلفان فاننا بالتأكيد نمتلك رؤية مختلفة في كثير من المواضيع الاجتهادية ولذلك لابد أن توجد المرأة حيثما وجد الرجل في مؤسسات صنع القرار من الأسرة إلى الدولة حتى يكون القرار أكثر توازنا وثراء فغياب أحدهما يعتبر افقارا للقرار هذه رؤيتي لعلاقة المرأة بالرجل لذلك أرة بأن أي مطلب يخص المساواة لابد أن تكون خلفيته هذه الفلسفة.

    • في الحراك ظهرت فئة من النساء تطالب بحذف بعض المواد من القانون منها التي لا تسمح بالجزائرية الزواج من أجنبي غير مسلم، ماهي قراءتك لمشاركة المرأة في الحراك؟

    إنني  اِؤمن بأن الثورة المعرفية سابقة لأي حراك سياسي، أنظري إلى الثورات الكبرى في العالم من بين تلك التي أحدثت تغييرات وتحولات جذرية في دولها، إنها الارهاصات التي كانت تعتصر عقول أعضاء الحزب الفلسفي والعلمي لقد أحدث فلاسفة التنوير في الغرب قطيعة مع النظام الفلسفي الارسطوطاليسي المدرسي لترتبط ساحات التجمعات مثل الباستي وغيرها بمقولات فولتير وروسو وابداعات ديدرو ومونتيسكيو ولقد كانت رسائل فولتير التاريخية تمهد لثورة 1789عندما يكتب عام 1760 لصديقة هلفيتيوس مبتهجا ” ان هذا العقل الذي طالما اضطهد يكسب كل يوم موقعا…”، ثم يصدر روسو عام 1761 كتابه ” هليوس الجديدة ” وفي عام 1762″ العقد الاجتماعي”  و”ايميل” وفي عام 1764 ” رسائل مكتوبة من الجبل” و في نفس الوقت تماما كان نيوتن يصوغ معادلاته الرياضية ويضع للظواهر الطبيعية    قوانين   ستكون أساسا للثورة الصناعية الكبرى في أوروبا وفي الفلسفة السياسية كان هوبس يؤلف “الليفياتان” و”عن المواطن” وجون لوك يبدع حول الفردية الليبرالية في مقالتيه الشهيرتين وفي كتابه “رسائل في الحكم” وكلها أثرت في الثورة الكبرى في إنجلترا وفي الثورة الأمريكية وكذلك في الاقتصاد وعلم النفس …الخ إنها معطيات تبرز إشكالية كبرى حول فرضية أسبقية الثورة المعرفية على الحراك السياسي، وهذا لايهون من موضوع الحراك الذي ينبغي أن نحدد معناه ومضامينه وما الذي نقصده به عند الحديث عنه أنا أتحدث عن الحراك المفعم  بالوطنية والمستقل عن أي عوامل خارجية او عصبية دخيلة او مساس بمؤسسة الجيش او الرموز الوطنية وكذا المصالح العليا للدولة، هذا هو الحراك الذي نباركه ونعتبر أنه قد وضع حدا للمتلاعبين بالعقول، حيث كان يوم 22 فبراير احتجاجا على الاستهتار بمعايير العقل والمنطق، أما اليوم فاننا نريد ان نعيد الاعتبار بالكامل للعلم والمعرفة التي تسبق أية مطالب كما رأينا، ومن هذا المنطلق نقول: أين هي الدراسات النسائية التي باتت فرعا يدرس في الجامعات وأين هن النساء الأكاديميات اللواتي ألفن كتبا علمية عن المواضيع التي تخص المطالب أين هي التصورات الفكرية حول تلك المطالب، إن لغة السوق المطلبية لا تنفعنا  لابدا أن يكون وراء كل مطلب رأسمال فكري ومعرفي بلغ درجة النضج حتى يتحول الى مطلب تلك هي قناعتي.

    • كثير من الأصوات النسائية تتهم الرجل بعرقلتها، وتعطيلها عن  تحقيق طموحاتها بعد الزواج، هل هذا صحيح؟  

    الحياة الزوجية القائمة على المودة والرحمة والسكينة والاحترام المتبادل والحوار والتشاور لا يمكن أن يسعى فيها أحد الطرفين إلى عرقلة الآخر ووضع عقبات في طريقه، إن المسألة هنا تتعلق بتصحيح منظومة من المفاهيم المركزية التي تقف وراء التعامل السلبي لبعض الرجال تجاه بعض النساء من ذوات المستوى العلمي الرفيع مثل أستاذات الجامعة والطبيبات والمهندسات والمحاميات…الخ تلك المفاهيم كمفهوم الأنوثة ومفهوم الجسد ومفهوم الفتنة ودور المرأة…الخ عندما يستوعب الرجل جوهر الأنوثة ومفهوم الجسد كمسكن للروح وأن الكون كله قائم على مبدأ الزوجية والقطبية ، حينئذ سيرى المرأة مسكنا وسكنا وسيرتقي في تعامله معها لأنه يدرك عمقها الإنساني وتركيبتها الحقيقية، أما الرجل الذي يعيش مغالطات مفاهيمية ورصيدا متكلسا وخريطة إدراكية غير قادرة على قراءة حقائق ومركبات الكيان الإنساني كما خلقه الله عز وجل فإنه سيكون عاجزا على التعامل الصحيح مع الطرف الآخر والعكس صحيح بالنسبة للمرأة إذا عجزت على قراءة القيم الذكورية الإيجابية التي تتمركز حولها كينونة الرجل الانسان، إذن القضية هنا معرفية والمطلوب هو المضي قدما في الاجتهاد العلمي لبناء نموذج معرفي جديد يحدد مسلمات جديدة تتضمن مفاهيم الأنوثة والذكورة قطبا الكون وأساسا مبدأ   الزوجية القائم في القرآن الكريم كي يفهم الطرفان المختلفان بعضهما فتقوم العلاقة عندئذ على التناغم والتلابس والتشاكل بدلا عن الصراع أو فكرة التكامل.

    • قلت أن العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة تناغم وليست علاقة تكامل، كيف ذلك؟

    أجل، إن الله عز وجل لا يخلق انسانا ناقصا حتى يكمله آخر، حيث كل من الرجل والمرأة مكتمل بذاته الذكورية أو الأنثوية، وفقا لخصائص تلك الذات وقيمها وصفاتها، ثم إن  مفهوم التكامل يتضمن معنى رياضيا وحادا ومفصليا، في حين يعكس التناغم معنى إنسانيا وطبيعيا وكونيا وجماليا وسريا وضمنيا وغامضا، ولقد أولى محيي الدين ابن عربي أهمية كبيرة لمفهوم الانسان الكامل، فالمرأة والرجل ليسا قطعا من أحجية الصور المقطوعة مثل PUZZLE حيث يجري تجميع القطع  لتشكيل  صورة كاملة، ثم إن فكرة التكامل تؤدي إلى نوع من التقسيم الاجتماعي للأدوار والتخصصات…الخ، لذلك نحن نرى بأن العلاقة تقوم على البعضية المتداخلة التي توحي بالتناغم “بعضكم من بعض” وعلى “التلابس” ونؤكد على التناغم لأن كيان الرجل يتضمن شيئا من الأنوثة التي تغلب عليها الذكورة والعكس في كيان المرأة لذلك فالعلاقة هنا علاقة فاعلية وانفعال ولكن الانفعال هنا مفهوم فلسفي مركب وايجابي وليس تلك السلبية بالمعنى التقني الذي تحدث عنه فرويد ولكن بذلك المعنى العميق الذي عبر عنه صاحب الفتوحات المكية الشيخ محيي الدين بن عربي الذي أبدع في تحديده  لمفهوم الأنوثة.

    • كرمت، بجامعة هواري بومدين مؤخرا، كيف كان شعورك؟ وهل التكريم تشريف أو تكليف؟

    الاثنين معا، فالتكريم في العلم  عندما يكون مصدره جهات ومؤسسات علمية يمنحك دفعة معنوية قوية للاستمرار بقوة في مشوارك العلمي، على اعتبار أنه يعتبر شهادة على تمايز ما قدمته من اجتهادات وانجازات علمية وفكرية، وهو تشريف من ناحية أن هناك نخبة قيمت   انتاجك فكرمتك وهنا يعتبر مثل هذا التكريم وساما على الصدر يتشرف به الانسان، سيما انه  في ميدان العلوم مجال شغفي وطموحي، وهو وحده الذي يملأني سيما عندما تظهر تلك الإشراقات والومضات أثناء رحلة البحث بعد تلك الإرهاصات المفعمة بالقلق والتوتر والتساؤل والتفكيك والتركيب إلى غايىة القبض على لحظة الحقيقة العلمية او الاقتراب منها.

    • تحتفل المرأة الجزائرية كباقي نساء العالم بعيدهن العالمي المصادف للثامن من شهر مارس، وماهي رسالتك للمرأة الجزائرية؟

    رسالتي للمرأة الجزائرية: إن الأنوثة مقام معرفي غاية في الارتقاء والعمق، ولذلك قال الشيخ ابن عربي شارحا حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: حبب الي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة:

    الطيب والمرأة الحسنا قد اشتركا ** مع المناجاة في المعنى وفي النفس

      ففي الصلاة وجودي والنساء لنا ** عرش وفي الطيب أنفاس من الأنس

مقالات متشابهة