7 مايو، 2021
الحوار الجزائرية
المجلة

منح الألقاب لـ”مجهولي النسب” يثير جدلا في الجزائر

  • الشرع فصل فيها والاجتهادات متواصلة

•ملف: سامية حميش

 

تشير الإحصاءات الرسمية في الجزائر إلى تسجيل ما يقرب من خمسة آلاف طفل مولود خارج إطار الزواج سنويا.. أطفال حكم عليهم بالتعاسة منذ الولادة، فحملوا لقب لقطاء.. ليعيشوا بوصمة العار والنبذ طيلة حياتهم، في مجتمع يحملهم وزرا لم يرتكبوه، بل هم أول ضحاياه.. هي كلمة بألف سهم قاتل يخترق قلوب مجهولي النسب، ليصيبهم في مقتل، وهم في الأصل موتى أحياء افتقدوا لدفء البيت وحنان العائلة، وحرموا ذكريات الطفولة التي انحسرت في الظلم والقهر، البؤس والحرمان. وعلى الرغم من كل الاجتهادات لمنح الحقوق كاملة لفئة مجهولي النسب، إلا أنها في كل مرة تعيد فتح سجالات بين رأي الدين، والقانون، ونظرة المجتمع.

أحدث المرسوم التنفيذي الذي وقعه الوزير الأول، عبد العزيز جراد، والمتعلق بمنح اللقب العائلي للأطفال مجهولي النسب ضجة لدى الشارع الجزائري. وتنص المادة التي صدرت في الجريدة الرسمية في عددها 47 أنه “يمكن للشخص الذي تكفل قانونيا بطفل مجهول النسب من الأب، أن يتقدم باسم هذا الطفل ولفائدته إلى وكيل الجمهورية، طلبا لتغيير اللقب العائلي للطفل ومطابقته مع لقبه”. وبذلك سيتمكن أي شخص أو عائلة تتكفل بطفل مجهول النسب، أو استقدمته من دور الأيتام أن تمنحه لقبها، بعد تقديم طلب إلى النائب العام بمكان إقامتها أو مكان ميلاد الطفل. إلا أن الشارع الجزائري بدا رافضا للأمر، كما ضجت مواقع التواصل الاجتماعي معلقة على المرسوم الجديد. حيث عبر مستخدموها عن رفضهم لمثل هذه المواد التي وجدوا فيها تعارضا مع الأحكام المتعارف عليها في الشريعة الإسلامية، والمتعلقة بكفالة الطفل مجهول النسب وتبنيه. وتخوفوا كون التعديل الجديد سيقنن التبني الذي هو محرم وفق التعاليم الإسلامية، وسيؤدي حتما إلى ما لا يحمد عقباه، ألا وهو اختلاط الأنساب. وجاء التعديل الأخير المؤرخ في 8 أوت 2020 لسد ثغرة كانت في المرسوم بالنسبة لمجهولي النسب، في حالة غياب الأم إلى جانب غياب الأب، والمرسوم المتعلق بمطابقة لقب الكفيل بالمكفول صدر في 1992، وهو المرسوم التنفيذي رقم 92-24 المؤرخ في 13 جانفي 1992، متمما للمرسوم رقم 71-157 المؤرخ في 3 جوان 1971، والمتعلق بتغيير اللقب. وكان مرسوم 1992 محل جدل حينها، حيث أفتى رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الشيخ أحمد حماني، بجواز الإجراء، وبموجب هذا التعديل، أصبح يمكن للكافل أن يوجّه طلبا إلى وزير العدل، حافظ الأختام، لمنح لقبه العائلي للمكفول القاصر.

 

  • انتقادات واسعة للمرسوم وتخوف من العواقب

احتج فؤاد/ع بقوله “أين هي وزارة الشؤون الدينية ولجنتها للفتوى من هذا المرسوم الاخير، الذي أعطى الحق لكل شخص يكون قد كفل طفلا مجهول النسب من الاب، من تغيير اللقب العائلي للطفل ومطابقته مع لقبه، الإجراء الذي يتنافى وديننا الحنيف.

وأَضاف “الكفالة بمنح اللقب العائلي يعني الميراث ويعني التبني، والتبني حرام شرعا بنص الكتاب والسنة النبوية.

يقول الله عزوجل [ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما] [الأحزاب: 5] لا يجوز شرعًا تسمية الطفل المكفول باسم كافله.

وأضاف الياس/م “التبني في الإسلام حرام بالإجماع شرعا وسنة، وهذا لما يترتب عنه من أضرار في الميراث واختلاط النسب، والخلوة (فلا يحق له الدخول على أهل البيت، بحجة أنه حامل لنفس اللقب (الإسلام قدم البديل وهي الكفالة).

وأضاف “لا يجوز شرعًا تسمية الطفل المكفول باسم كافله، بحيث يشترك معه في كامل اسمه، أو فيما يوهم أنه ابنه من صلبه؛ لِما يحصل بهذا من صورة التبني المنهي عنه شرعًا. ومعلوم أن الصحابي الجليل زيد بن حارثة رضي الله عنه كان يُسَمَّى بـ”زيد بن محمد”، لَمَّا تَبنَّاه سيدُنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلما نزل التحريم عاد اسمه كما كان “زيد بن حارثة”.

لذا لا يجوز منح الطفل المكفول لقبَ عائلةِ كافلِه؛ بحيث يظهر الانتماءِ إلى العائلة، لأن هذا تدليس يدخل في نطاق التبني المحرم شرعا، بل إن تلك الإضافة التي تكون في آخر اسم الطفل اليتيم أو مجهول النسب، ستكون مثل عُلقة الولاء التي كانت بين القبائل العربية قديمًا.

بينما عبر أصحاب الرأي المخالف بعكس ذلك، حيث قال منير “في وقت الرسول عليه الصلاة والسلام لم تكن هناك أوراق ثبوتية، أما في العصر الحالي فمجهولو النسب مساكين محرومون من أبسط حقوقهم بسبب الأوراق الثبوتية!؟ أين الحل البديل الذي يكفل لمجهول النسب حقوقه في الزواج الدراسة جواز السفر بطاقة التعريف بشكل طبيعي، من لديه الحل فليتفضل لإغاثة هذه الفئة الأشد تهميشا في الجزائر. أما التعديل الذي يجب الحرص عليه فهو إلغاء موافقة الأم، لأن رفضها سيتسبب في خسارة كبيرة في حياة ابنها، وأحسن حل برأيي هو تحليل تواجده مع الأسرة بشكل طبيعي، عن طريق الإرضاع طبيعيا لتجنب مشاكل الخلوة، أما الميراث فيمكن للكافل أن يعطي هبة للطفل المكفول، أما قضية اختلاط الأنساب، فيمكن تجنبها بسن قانون يجبر الأزواج الجدد على إجراء التحليل الجيني.

وأضاف منير “لماذا لا نحكي عن الصعوبات التي يعانيها مجهولو النسب، بدل الحديث عن المرسوم الذي سيغير حياتهم إلى الأحسن؟ بعض مجهولي النسب أقدموا على الانتحار بسبب اليأس والإحباط والإحساس بالذنب الذي لم يرتكبوه والإحساس بالدونية.. هل من حل بديل نصلح به وضعية هؤلاء؟

 

  • برلمانيون وفاعلون سياسيون يحتجون على القرار

لم يمر قرار الحكومة القاضي بمنح اللقب العائلي للأطفال مجهولي النسب مرور الكرام، فلم تلبث أن اشتعلت السجالات الدينية، في ظل غياب موقف ابتدائي من لجنة الفتوى على مستوى وزارة الشؤون الدينية، أمر استغربه المحامي عمار خبابة. الذي قال بأن مرسوم تغيير اللقب الصادر في 1971 تّم بإضافة مطابقة لقب الكفيل بالمكفول عام 1992، أما التعديل الأخير، فقد جاء لسد ثغرة كانت في المرسوم بالنسبة إلى مجهول النسب، في حال غياب الأم إلى جانب غياب الأب”.

وكتب النائب البرلماني لخضر بن خلاف على صفحته الرسمية “أين هي وزارة الشؤون الدينية ولجنتها للفتوى من الفتوى غير الشرعية، وغير القانونية التي أصدرها الوزير الأول في مرسومه الأخير، الذي أعطى الحق لكل شخص يكون قد كفل طفلا مجهول النسب من الاب، من تغيير اللقب العائلي للطفل ومطابقته مع لقبه، الإجراء الذي يتنافى وديننا الحنيف”.

 

..لا اجتهاد مع الشرع

وصرح الأخصائي الاجتماعي رشيد بوسعادة “أنا واحد من الناس أقول لا اجتهاد مع نص الشرع”. مضيفا “القوانين التي تنظم حياة الامة أساسها ديننا الحنيف، والرسول عليه الصلاة والسلام ميز بين القضايا التوحيدية التي لا جدال فيها، والقضايا الفقهية التي هي عبارة عن اسئلة المجتمع وإجابة الفقه”.

وأشار بوسعادة “لو تحقق وحصل الطفل المكفول على لقب العائلة، ستختلط الأنساب، وحتى الأسر الكفيلة ستتراجع، لأنها لا ترضى كلها بمنح لقبها العائلي للطفل المكفول”.

وأضاف الأخصائي الاجتماعي “بدل أن نسعى إلى منح لقب عائلي للمكفولين مجهولي النسب، علينا البحث بجدية عن أسباب وجود هؤلاء الأولاد ومعالجها بطريقة جذرية، كما علينا بالمقابل تشجيع الزواج لتحصين الشباب وتيسير الحلال الذي سيغنيهم عن الحرام، ويقلل من العدد الكبير من مجهولي النسب الذين يولدون خارج إطار الزواج.

وشدد بوسعادة على ضرورة احترام وتقدير المرأة بالتعليم والتربية الصحيحة، فعظمة المراة في الصلاة هي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر. مضيفا أن المجتمعات العربية لم ترفع مستوى المرأة للأسف، ولو فعلت ذلك لقضت على أغلب المشاكل الاجتماعية.

وذكر الأخصائي بقوله “أول امرأة مارست السياسة هي السيدة عائشة، كانت امرأة عظيمة، لذا يجب ان نعيد النظر في مجتمعنا وثقافتنا لأننا نستورد نظريات ومناهج غريبة، وأرى أن علينا الرجوع إلى أصولنا.

 

  • التبني في الإسلام محسوم.. وهذا الباب لا يجوز فتحه

أكد الأمين العام للتنسيقية الوطنية للأئمة وموظفي الشؤون الدينية جلول حجيمي، أن التبني في الإسلام موضوع محسوم، وهؤلاء الأطفال لا ذنب لهم ولا بد أن يحسن إليهم، وأضاف حجيمي أن الكفالة من حقهم والهبة أيضا بدل الميراث الشرع. أما اللقب فهو مشكلة شرعية، هم لآبائهم لا نستطيع التصرف في شيء حسم فيه الشرع.

وأكد حجيمي “مثل هذا الإجراء يستطيع أن يقودنا إلى اختلاط الأنساب، وأن الشيخ الراحل أحمد حماني قال في فتواه لعام 1992 ككفيل، إذ بات ممكناً للكافل أن يوجّه طلباً إلى وزير العدل، حافظ الأختام لمنح لقبه العائلي للمكفول القاصر.. لكن مكفول وفقط.

وقال حجيمي في حديثه إن تجاوز الشريعة أمر مرفوض، مذكرا أن الجيش الانكشاري الذي فتح العالم الإسلامي في عهد الدولة العثمانية، كان جله من مجهولي النسب، يعني المطلوب منا أن نختار لهؤلاء الأطفال مهنا ومستقبلا يتناسب مع وضعهم، دون أن ندخل في مشاكل نحن في غنى عنها. مضيفا أن الشرع أرحم بالأطفال هؤلاء منا جميعا والحلول موجودة لمجهولي النسب، يمكن كفالتهم ومنحهم الهبات وإدماجهم في الحياة، لكن هذا الباب لا يجوز فتحه لأنه سيفتح بدوره باب التلاعبات واختلاط الأنساب.

وختم حجيمي بقوله “رئيس الحكومة ليس مشرعا وليس بإمكانه منح التعليمة، وهذه الفتوى في وقت الشيخ حماني وقفوها”.

وكان موقف الشيخ أبو عبد السلام صارما في القضية، حيث أكد لا مجال لمنح لقب الكفيل للطفل المكفول، هذا لا يجوز شرعا، ولا بأي شكل من الأشكال، “ادعوهم لآبائهم”، وأكد شيخنا بقوله “لا اجتهاد مع الشرع، والقضية فصل فيها الشرع وهي محسومة سلفا”.

 

  • جمعيات تساند التعليمة وتستغرب

استحسنت مليكة بوطنافري رئيسة جمعية تيزيري للطفولة والشباب، مبادرة منح اللقب للطفل المكفول، معللة موقفها بما حضرته من مواقف لشباب مجهولي النسب، تعرضوا لمواقف صعبة عند الزواج والشغل وفي الحياة العملية، وعند الخروج من الميتم، قائلة “التقيت مرة بشاب تخرج من “لاداس” في عمر العشرين، وبقى في الشارع بدون بطاقة التعريف، نفس المشكل تواجهه الفتيات للأسف، ما يضعهن تحت طائلة المجتمع الذي لا يرحم.

وأضافت “حينما يكون الطفل صغيرا لا يدرك واقعه، لكن صدمته كبيرة حينما يكبر ويصطدم بالمجتمع، وللأسف أن أكبر مشكل يواجه هذه الفئة من مجهولي النسب هو تخريجهم في سن حرجة للشارع والمجتمع، مؤكدة أن على المجتمع ألا يحاسبهم على أخطاء لم يقترفوها، وعلى القانون إنصافهم، وعلى الحكومة وضع كل التدابير لحفظ كرامتهم، كما أن القانون وحده لا يكفي، بل عليه أن يتكلل بالتطبيق.

 

  •  هل يجب التفريق بين اللقب والنسب؟

أكد عبد الرحمان عرعار رئيس شبكة ندى، أن ما تم تعديه هو مرسوم قديم جديد، تم تعديله لأول مرة في لـ92، ليعود الحديث عنه هذا العام وهو ينص على منح لقب الكفيل للطفل المكفول وليس النسب. مشيرا “يجب التفريق بين النسب واللقب”.

وأضاف عرعار “اليوم ليس لدى الطفل مشكل نسب أو هوية كما في السابق، لأن الأم صارت مانحة للجنسية لابنها، يعني أن هؤلاء الأطفال لديهم اللقب والهوية، ويتمتعون بكافة حقوقهم المدنية والسياسة، لكن تبقى الآن آلية الكفالة تحتاج الى تدعيم، وهذا التدعيم هو مجرد إجراء شكلي يقدمه الكفيل للطفل المكفول، حتى لا يتعرض إلى التمييز في العائلة، وتتضرر نفسيته، وحتى لا يشعر بأنه أدنى من أفراد العائلة أو غريبا عنهم، هذا الإجراء مجرد دعم معنوي ونفسي، ويكتب في عقد الكفالة، وليس في الدفتر العائلي كما يروج لذلك البعض، حيث يدرج في العقد مكفول مع لقب العائلة الكافلة، لذا فالصفة محددة ولا علاقة لذلك باختلاط الأنساب، بل هو مجرد إجراء تسهيلي لأمور وإجراءات الكفالة، سواء في أمور السفر مثلا والتمدرس وحتى الزواج لاحقا، كما أنه يعزز الصحة النفسية للطفل المكفول.

وختم عرعار بقوله “من المفروض على الحكومة أن تعالج عدد مجهولي النسب، بإجبار الآباء على تحمل مسؤوليتهم، مضيفا أن أكبر عدد من مجهولي النسب كان بسبب الزواج العرفي، وإجراء قراءة فاتحة الخطبة قبل عقد القران”.

 

 

مقالات متشابهة