15 مايو، 2021
الحوار الجزائرية
المجلة

الإعلامية فتيحة بوروينة: ملهمتي أمّنا عائشة العالمة المفسرة والمحدثة رضي الله عنها

  • أن تكوني ملهمة هو أن تكوني مساهمة في بناء المرأة لا تشييئها

  • يشرفني أن أكون أول امرأة جزائرية تتخصص في الفيلم الوثائقي كنوع سينمائي فقير لا يستهوي المنتجين

  •  كتبت “الهجاّلة” بنفس واحد مبحوح ومنكسر، خلال أربعة أشهر وعشرة أيام وكانت تلك فترة عدتي الشرعية

 

فتيحة بوروينة إعلامية متميزة تمرست في مهنة المتاعب لسنوات طويلة، هي امرأة ملهمة ومؤثرة، تم اختيارها من بين 100 امرأة جزائرية الأكثر تميزا وإلهاما وابتكارا، التي وضعتها Aster-Fondation لصاحبتها المدرّبة في التنمية البشرية لينا عمارة بمناسبة 8 مارس .. ترى أن المرأة الملهمة هي من تساهم في بناء المرأة لا تشييئها، لتمنحها نوافذ تطل من خلالها على العالم. وفي هذا اللقاء الشيق الذي جمعنا بها على مائدة رمضانية زينتها بما لذ وطاب كجزائرية “حرة”، تحدثت فتيحة عن تجاربها في الحياة وفي حقل الإعلام وعن كونها أول امرأة جزائرية تتخصص في الفيلم الوثائقي.

 

• حوار: سامية حميش

 

  • تم اختياريك كواحدة من 100 امرأة جزائرية الأكثر إلهاما وتأثيرا وتميزا ضمن فعاليات “نساء ملهمات” التي أطلقها مجمع “آستر”،..ماذا يمثل لك ذلك وفي يوم خاص كالثامن مارس؟

هو تقدير لا شك لمسار وتجربة أو تجارب تٌقّدَمُ للآخر على أنها نموذج للإقتداء أو الإستلهام. أن يتم تصنيفك امرأة ملهمة ومؤثرة فتلك مسؤولية كبيرة وليس تشريفا قط. كيف الحفاظ على هذا التقدير والأمر لا يتعلق بنا أساسا بقدر ما يتعلق بالآخر الذي سيظل ينظر إلينا على أننا مصدر إلهامه وقوته، بمعنى آخر أننا لا يجب أن نتراجع أو نفشل أو نسقط في فخاخ تسيئ لهذا النموذج أو تشوِهٌه. قد يكون لهذا التقدير أكثر من معنى وهو يرتبط بتاريخ لصيق بالمرأة، أي بالأم والزوجة والأخت وبنت الحومة، وبنات العم والخال، أي بمن يمنحن الحياة ويبنين الفرد ويربين، قد تقول إحداهن إن الثامن مارس لا يعنيني، وأني كمسلمة، أكرمني الإسلام ككيان، وبجّلني كأم وزوجة، وحثّ على تعليمي، ووهبني الحياة بعدما كنت أدفن حيّة، فما الذي يضيفه الثامن مارس إذن؟ هذا خطاب لم يعد ينفع، بعدما غلبت التقاليد والأعراف على الفهم الصحيح للإسلام، فعادت الجاهلية الأولى تطبع تصرفات البعض تجاه النساء فلا يسمح لهن بالتعلم او العمل أو ممارسة السياسة أو الخروج، وكأنهن يٌوأَدْن من جديد مع فارق الزمن، غير سليم أن ننظر لوضع النساء في الحواضر الكبرى فنبني عليه ونقول إن كل النساء بخير، ففي بعض المناطق، ما تزال النساء تأكل (فضلة) الرجل، أي بقايا طعامه، وتٌهجّر وتٌهان إن هي أنجبت الأنثى فقط دون الذكر، وتٌعضَل ( أي تُجبر على الزواج من شقيق زوجها المتوفى) إن هي ترملت، وغيرها من المسائل التي تجعل آدميتها منقوصة، وحقها في الحياة معطّل!! معنى هذا، أن تاريخا مثل الثامن مارس يجب أن يظل مناسبة للتقييم ومراجعة الذات وتقدير المجتهدات الباحثات عن أجوبة لأسئلة الراهن ذات الصلة بالمرأة لا وليمة فقط لأحمر الشفاه!!

  • ما معنى أن تكوني امرأة ملهمة؟ 

هو كل ما قلته في الأعلى، اي قدوة حسنة للنساء اللائي في أول عثرة يعتقدن أنهن فاشلات وغير قادرات على الإنجاز، أن تكوني ملهمة، هو أن تكوني مساهمة في بناء المرأة لا تشييئها، أي الإهتمام بالمرأة كمبنى ومعنى لا كشيء، بمعنى منحها نوافذ تطل من خلالها على العالم، بمقال جميل أو لوحة فنية أو نص مسرحي أو فيلم سينمائي أو وثائقي أو حرفة أو أغنية أو موعظة وإرشاد في فيديو على النت، أو كل ما يسهم في تشكيل وعيها بذاتها وبالآخر المحيط بها، مهما كانت الظروف قاسية!

أن تكوني امرأة ملهمة، معناه أن تكون لك القدرة على البناء بمعناه العميق، تربية الأبناء بناء، وأحسبه أهم منجز للمرأة، والحرص على أن تكوني قيمة مضافة داخل بيتك وخارجه هو بناء، وكم نحن في حاجة إلى النساء المتميزات اللائي يبنين لا يهدمن، فبعض النساء يتصنعن الحياة المترفة والجميلة على النت واليوتيوب، ويخلقن عوالم مزيفة يشكلن بها حالة من الإحباط لدى نساء كثيرات ماكثات في البيت يعتقدن انهن فاشلات لانهن عجزن عن صنع عوالم مماثلة مع انها واهية وخادعة!!

ما تزال تلهمني مثلا أمنا عائشة رضي الله عنها وقد عاشت في بيئة صحراوية مغلقة قبل 14 قرنا، أذكر أنها تعلمت القرآن الكريم وحفظته وهي في بيت والدها أبو بكر الصديق، وصارت وهي تنتقل لبيت الزوجية، أي بيت النبوة، عالمة مفسرة ومحدثة، بل يسألها كثير من الصحابة، في أمور الدين، فلم يردعها الرسول بأن يقول لها، اهتمي بفراشك واصمتي، أو اهتمي بفقه النساء ولا حاجة لك بفقه الرجال!! ونحن في القرن الواحد والعشرين الـ 21، أشعر بالحزن، وأصاب بالغثيان، عندما أسمع طالبا جامعيا يضع كأول شرط، وهو يطلب يد زميلته الطالبة، بأن تمكث في البيت بعد تخرجها، فيمارس عليها فحولة غير مكتملة العقل، متخلفة عن عصرها، يحدث هذا في كليات الطب والهندسة والزراعة وغيرها من التخصصات الهامة! من هم (أحق) بكلمة الجاهلية !!

  • غيرت فعالية “نساء ملهمات” نوعا ما المفهوم السائد عن 8 مارس، وحاولت أن تكسر المألوف الذي ارتبط طويلا بالاحتفالات والورود،..هل لمست تغيرا على مستوى النضج في مثل هذه المناسبة؟

بلا تردد نعم، ولعل ما يلفت الانتباه في قائمة الـ 100 امرأة جزائرية الأكثر تميزا وإلهاما وابتكارا، التي وضعتها Aster-Fondation لصاحبتها المدرّبة في التنمية البشرية لينا عمارة، وهي تطلق طبعتها الأولى لفعالية ” نساء ملهمات” أنها خرجت عما يعرف بـ ” عقدة الأسماء”، واندهشت حقا، ومثلي العديد من الزملاء الرجال، لا النساء فقط، اندهشت من القائمة التي ضمت في غالبيتها، أسماء نساء لا يعرفهم المجتمع، لكنهن نساء يشتغلن في صمت بعيدا عن الأضواء والكاميرات وبلاطوهات التلفزيونات، لهن قصص وحكايات مع النجاح والإصرار، بعضها حزين وبعضها سعيد، لكن كل تلك الحكايات ملهمة على أكثر من صعيد ومعنى

ولا غرو أن تكون امرأة لا يعرفها الإعلام، هي المرأة الملهمة في طبعة زرالدة 2020، وأقصد السيدة صفية مولاي من تقرت بالجنوب، امرأة ولدت من رحم المعاناة لكنها صارت صيدلانية ونجحت في تغيير بعض التقاليد البالية في منطقتها والتي تنظر إلى المرأة ككائن دوني، وهي الآن على رأس مشروع لبناء مركب رياضي بتقرت للنساء فقط.

هذا هو النضج الذي نبحث عنه، ونريده قرينا للثامن مارس، الذي عادة ما تقترن فعالياته في الغالب، بحرف يراد لها ان تظل لصيقة بالنساء، الحلاقة والمانكير والخياطة والموضة والطبخ، مع احترامنا الكبير لكل هذه المهن، السيدة لينا عمارة كسرت المألوف، أي ابتعدت عن الجاهز من النساء، ممن يكثرن الضجيج على مواقع التواصل الإجتماعي، لكن كثيرات منهن خاويات!!

  • مشوارك الإعلامي حافل بالتجارب فبعد تجارب سابقة في الإعلام المكتوب والإذاعي كمنتجة والإلكتروني كمديرة نشر لأول موقع إلكتروني إخباري باللغة العربية في الجزائر ”الحدث الجزائري” وتقلدت أيضا منصب رئيسة تحرير بقناة الشروق نيوز،..بماذا خرجت من كل هذه التجارب؟

يقول المثل الشعبي ” كل ضربة في الراس تزيد مولاها فهامة ” وكل المحطات التي تذكرين لا شك تزيد صاحبها تمرسا وانفتاحا على الأجناس الصحفية المتعددة، وتزيده اطلاعا على واقع كل ممارسة، فللصحافة المكتوبة مشاكلها والإعلام الإلكتروني والسمعي البصري مشاكله أيضا، مهنة الصحافة مهنة شاقة وتغدو أصعب بالنسبة للإعلاميات اللائي تستنزف المهنة هامشن الإجتماعي وتأكله، بالأخص عندما تكون زوجة وأما، وإذا كان الزوج من خارج المهنة تتضاعف متاعبها، ولا توجد إلى اليوم داخل المؤسسات الإعلامية مدونة أخلاقية ومهنية تأخذ هذه المشاكل التي توجدها طبيعة المجتمع نفسه، المجتمعات العربية ليست مثل المجتمعات الغربية، لكننا نخضع كإعلاميات لنفس تقاليد العمل الصحفي! كل هذه التجارب تفتح عينيك على الاختلالات، لقد مررت بتجربة صعبة كمديرة نشر للموقع الإلكتروني “الحدث الجزائري” وقد كان أول موقع إخباري الكتروني العام 2013 باللغة العربية وقد سبقته آنذاك 5 مواقع كلها باللغة الفرنسية، فيما لم تكن الطبعات الالكترونية للصحف الورقية قد ظهرت بعد، في تلك الفترة لم يكن هناك اهتمام على مستوى التشريع بهذا النوع من المواقع وكان الحصول على الإشهار غير ممكن ولم يشفع النجاح الذي حققه الموقع في ظرف وجيز من الظفر بموارد مالية ما قاد إلى توقفه للأسف ولم يلتفت المشرع إلى ذلك إلا هذه السنة!

  • أطلقت مؤسستك الصغيرة للإنتاج السمعي البصري في 2017 “فكرة برود” لإنتاج الفيلم الوثائقي القصير والطويل على وجه التحديد. لماذا فضلت الفيلم الوثائقي؟ وكيف يسير المشروع؟

ما يزال مجال الإنتاج السمعي البصري مجالا ذكوريا بامتياز، كل بداية صعبة لا شك، الإنتاج في الجزائر يعاني أزمة تمويل، رجال الأعمال متأخرون مقارنة ببلدان مجاورة أو بعيدة في التعاطي مع المنتجين وهمَّ كثير منهم الإنفاق على ومضات إشهارية لجلب الزبائن إلى منتوجاتهم أو ماركاتهم، قليل منهم فقط يستثمر في الإنتاج بتمويل فيلم أو برنامج، هم لا يهتمون كثيرا بالاستثمار في الثقافة، والأصعب أن يظفر الداخل حديثا إلى المجال بالتمويل لأنه مطالب أولا بإثبات وجوده حتى يلفت نظر المعلنين، ولهذا السبب كان الرهان الأساسي بالنسبة لوكالتنا حديثة النشأة الشروع في العمل سريعا، ولقد تمكنت بإمكانياتي الخاصة المتواضعة إنجاز برنامج تنافسي عائلي” من سيربح الرحلة؟” أول برنامج لتعزيز السياحة الداخلية وتشجيع الجزائريين على اكتشاف بلادهم، تلاه فيلمان وثائقيان انتهيت منهما مؤخرا، أحدهما بتمويل من صندوق دعم الإنتاج السينمائي ( فداتيك) التابع لوزارة الثقافة. والآخر بإمكانياتي الخاصة، جرى ذلك في ظرف أقل من 3 سنوات، وهذا إنجاز في حد ذاته مقارنة بعشرات وكالات الإنتاج التي لا تنتج شيئا!!

يشرفني أن أكون أول امرأة جزائرية تتخصص في الفيلم الوثائقي كجنس سينمائي فقير لا يستهوي المنتجين، ربما لصعوبته ولكونه جنسا ليس في متناول كل الناس، وهنا أفتح قوسا لأشير أن الإعلامي الذي يحوز على تجربة سنوات من العمل، تجربتي تقارب الـ 30 سنة، هو الأنسب لمثل هذا النوع من الإنتاج السينمائي بحكم معرفته العميقة بالمجتمع وبالمواضيع التي تستحق أن تعالج في وثائقيات ومعرفته بالباحثين المؤهلين للحديث فيه، هذا أمر إيجابي يجب الاستثمار فيه.

  • تعودت على خوض غمار تجارب إعلامية جديدة، ماذا في محفظتك من جديد؟

الجديد سيكون الاستثمار دوما في إنتاج الوثائقيات، ولِمَ لا البحث عن ممولين لإطلاق قناة ” الجزائر وثائقيات” على غرار قنوات عربية وأجنبية متخصصة في الوثائقيات، سيكون ذلك نافذة على الجزائر من الداخل، لتثمين موروثها التاريخي والثقافي والسياحي والاجتماعي والسياسي، ومحاولة تسويق ذلك إلى الخارج الذي للأسف لا يعرف الكثير عنّا!!

  • باعتبارك إعلامية صاحبة رأي وكاتبة مبدعة،هل ثمة خطوط حمراء تقف بين المرأة العربية وقلمها برأيك؟

الكتابة شغف وكفى، والدليل على ذلك أن كتابا كبار لم يدخلوا معاهد الأدب أو اللغة لكن شغفهم للكتابة قادهم لعوالم القصة والرواية أو الشعر، حدث ذلك مثلا مع همنغواي والعقاد وتولستوي وياسمينة خضرا وكويلو، وتظل الكتابة كذلك بالنسبة للرجل والمرأة على حد سواء، لا وجود لأدب رجالي وآخر نسائي، الأدب أدب وكفى، تماما كما الكتابة، بمعنى قد تخوض المرأة الكاتبة في كل مسائل الحياة مثل الكاتب تماما دون استفراد أحدهما بمجال يعتقد انه الأقدر على الخوض فيه وحده ! أما وأنت تسألين عن المرأة العربية لا المرأة الكاتبة فقط، فهنا الاختلاف بين الكاتبة العربية والكاتبة الغربية بالمعنى الفلسفي للغرب، عند العرب تتعرى المرأة عندما تكتب عن ذاتها وعن متاهات النفس وأمورها الحميمية، تمة خطوط حمراء أو طابوهات تكبح فعل الكتابة عند المرأة العربية ولا ترحمها، أذكر أنني عندما حاورت منتصف التسعينيات الأديبة جميلة زنير، وسألتها هل تكتب عن ذاتها، عن تجاربها الحياتية مستلهمة منها في أعمالها الروائية قالت بسرعة: طبعا لا، فأنا إبنة إمام. وخلافا لزنير لا تتحرج روائية جزائرية مثل فضيلة مرابط، من الإقتراب إلى ما يصنف عندنا بالطابوهات، رغم أنها هي الأخرى ابنة إمام ( لها رواية المؤذن، مستلهَمَة من سيرة والدها الإمام). الفرق بين الكاتبتين أن الأولى تقيم في مجتمع أمازيغي عربي منغلق والثانية في مجتمع غربي لا ينصّب المحاكم عندما يقترب من نص تكتبه امرأة!!!

  • نعود بك إلى الذاكرة قليلا، مررت بتجربة قاسية في سنة 2008 حينما فقدت شريك حياتك الإعلامي مراد تيروش، لكن التجربة رغم مراراتها أثمرت عن كتاب “الهجالة” في2009 هل لاقى النجاح المتوقع ؟

أحسبها حظيت بالاهتمام الذي تستحقه، فنقاد كثيرون أثنوا على النص، باعتباره أول نص روائي عربي يتناول موضوع الترمل، بعيدا عن اللغة الجنائزية التي تقترن عادة بموضوعي الفقد والموت، على رأس هؤلاء أذكر الناقد الكبير عبد المالك مرتاض والروائي واسيني لعرج، والكاتب والناقد السعودي المقيم في باريس أحمد أبودهمان، صاحب الرواية الشهيرة “الحزام”. لقد حققت الرواية التي صدرت عن منشورات القصبة، أحسن المبيعات في معرض الجزائر الدولي للكتاب العام 2009، ونفذت طبعتها الأولى ولم أهتم بإعادة طبعها إلا مؤخرا، كما لم أهتم بتقديمها للجوائز المحلية أو العربية. مهم التذكير أني كتبت ” الهجاّلة” بنفس واحد، مبحوح ومنكسر، خلال أربعة أشهر وعشرة أيام، كانت تلك فترة عدتي الشرعية، وكانت تلك حيلتي الوحيدة لتجاوز الانكسار، والشعور بالموت الذي يستفرد بالمرأة فجأة وقد يعجّل في لحاقها بمن فقدت، أو اهترائها المبكر. محظوظة المرأة التي تكتب، فتغدو الكتابة متنفسا لانكواء ما، لتعثر ما، لخيبة ما. محظوظة النساء اللائي يكتبن عن تجاربهن، عن قضاياهن، ولا ينتظرن الآخرين يفعلون ذلك بدلا عنهن. شعرت فجأة بهذا الشعور، أي أن تصير الكتابة شفاء، أو حظا جميلا لا تمتلكه نساء كثيرات من حولي، عندما رحت أتحدث عن روايتي، عن بعض فصولها وتفاصيلها في اللقاءات الكثيرة التي دعيت إليها، في الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية على وجه التحديد، اكتشفت كيف يصير ألمك هو نفس ألم عشرات المئات من النساء، مع فارق واحد، أني كنت أتحدث عن هذا الألم بصوت مرتفع وقلم، وكن هن يتألمن في صمت، صرت صوتهن فجأة، بل وجعهن الذي لم يجدن سبيلا للتعبير عنه سوى دموعهن! بالمناسبة أشير أنه لا يمكنني أبدا العودة إلى الرواية لقراءتها، في طيات الرواية جرح طري تضمّده أوراق كتاب إن فتحته نزف من جديد!!

  • خرجت من تجربة الترمل منتصرة لا منكسرة، وكنت في ريعان الشباب، بماذا تنصحين النساء لمواجهة ظروف الحياة والمجتمع؟

نحن ننتصر على ضعفنا فقط، لا على القضاء والقدر الذي يجب علينا كمسلمين التعايش معه والرضا بمرّه وحلوه. وأمام تجربة إنسانية مرّة مثل الترمل في سن مبكرة، والانتقال فجأة من وضع اجتماعي معين إلى آخر تلعب فيه عقليات المجتمع دورا سلبيا للغاية يزيد في تعقيده، مثل هذا الوضع لا يدع أمامك سوى خيارين اثنين لا ثالث لهما، إما الخروج من التجربة منتصرة أو منكسرة، ولا شك، ليست بطولة في شيء التمسك بالخيار الأول، لأننا مجبرون على ذلك لا مخيرون، نفعل ذلك حتى لا يرى أطفالنا الانكسار في عيوننا، فيضعفون ويشعرون أنهم يتامى حقا، هناك مثل شعبي شهير يقال في هذا السياق بالذات: ” اللي مات بوه يتوسد الركبة واللي ماتت يماه يتوسد العتبة”. لا شك يبقى التعلم أهم شيء تستفيد منه المرأة عندما تواجه أقدارا حزينة أو سيئة، أنا أردد دوما أن تعليم البنات أمر حيوي، فالشهادة مهمة، إن توَسَدَتْها المرأةٌ وقت الرخاء ستصير طوق نجاة وقت الحاجة والضيق.

  • لو تحدثينا قليلا عن أولادك، هل يعتبرونك مصدر إلهام لهم في الحياة؟

عندما تكون الأرملة ضعيفة سيترهل أطفالها وينكسرون، كل ضعف هو غير مسموح، عندما تبكي الأرملة فهي تفعل ذلك بعيدا عن أعين أطفالها، تغدو الأرملة هي الحياة كلها في نظر صغارها اليتامى، وقد ينظرون إلى الدنيا عبر عينيها، ولقد تمكنت بفضل الله أن أهب أولادي دنيا جميلة يحسدهم عليها من يحتضنون الأب والأم معا عندما يعودون إلى البيت مساء كل يوم، لقد كبر ابنائي وهم أقوياء بإصرارهم على الحياة والنجاح مثلي تماما، دخلوا الجامعة واستثمرت في نجاحهم بإطلاقنا وكالة صغيرة للإنتاج السمعي البصري نصّر على أن تكبر هي الأخرى معنا، أطفالي أسخياء في حبهم لي وتقديرهم لكل ما عانيت من أجلهم غير مكرهة على ذلك البتة، وكثيرا ما أصير أنا محور حديثهم عندما يفتخرون أمام الأهل والأصدقاء والأحباب أنني أمهم، وملهمتهم، وأختهم وابوهم وكل شيء جميل في دنياهم. تصوروا أن أولادي من فرط تعلقهم بي يتمنون الموت قبلي حتى لا يتألموا مجددا، كلامٌ قاسٍ صحيح، لكنني أتفهمه جدا، فهم يحبون الدنيا بوجودي، وبدوري أحضنهم كلما يقولون هذا وأدعو الله أن يطيل في عمري لأرى أولادهم يملؤون عليهم الحياة والبيت حبا ودفئا وصخبا يٌعِينٌهٌم على تحمّل رحيلي وعلى الصبر أيضا.

  • كيف تقضي الإعلامية والكاتبة فتيحة بوروينة يومياتها في رمضان؟

ككل امرأة جزائرية محبّة لبيتها وأولادها، تَهِبٌ لهم خلال رمضان كل وقتها، بل وتحرص على التفنن في مطبخها حتى لا تكون مائدتها الرمضانية أدنى من موائد البيوت الأخرى ولو بأطباق بسيطة. بوراك وشريبة بيضاء أو حمراء بالفداوش، سفيرية وبرانية ومثوم ومدربل وتشرميلة كبدة وتشرميلة زرودية، إضافة إلى تحليات تقليدية مثل المحلبي والقطايف والصامصة وتلك التي نقتنيها من خارج البيت كالزلابية وقلب اللوز. في الحقيقة أنا قليلة النشاط في رمضان على المستوى المهني، بمعنى أفضل المكوث في البيت وإرجاء الكثير من الأعمال إلى ما بعد العيد، لرمضان نكهة خاصة لا أريد إفسادها بأمور الدنيا. رمضان، شهر العبادة، فهو شهر القرآن، ومغبون من يغّلب شهوات البطن على مقاصد الشهر الكريم، لكن هذا لا يمنع من أن يكون اهتمامنا بالمائدة الرمضانية زائدا على سائر شهور السنة، هذا ليس عيبا، فذاك من إكرام الصائم بل العيب في التبذير والإسراف في الإنفاق وعدم السؤال عن الجار عامرة مائدته الرمضانية أو خاوية إلا من حليب وخبز!! وأنتم تقرأون هذا الحوار أقول لكم رمضان كريم وكل عام وأنتم بخير.

 

 

مقالات متشابهة