13 مايو، 2021
الحوار الجزائرية
المجلة

البروفيسور جمال عباس: أزمة عالمية مرتقبة من أجل القطبية  

 قدم البروفيسور جمال عباس، مستشار التخطيط الاستراتيجي، مؤخرا رؤية استشرافية، تحت عنوان مسرعات الاقتصاد- ملامح الرؤية المستقبلية، مؤكدا في مستهلها أن العالم بات اليوم مشغولا بكيفية رفع الإنتاج وتوفير الثروات الحالية وتوفير أولويات ضمان الأمن المائي، والأمن الغذائي والأمن الصحي والإلكتروني والأمن البيئي، إلى جانب مضاعفة جهود التطور على حساب المستقبل، مع التساؤل: هل تمت صفقة بيع هذا المستقبل لمصلحة الحاضر. ولأجل معرفة هذه الرؤية المستقبلية، كان لـ”الحوار” هذا الحوار الحصري مع البروفيسور جمال عباس، مستشار التخطيط الاستراتيجي.

حاورته: سناء بلال

 

  • تعتمد نظرتكم على الاقتصاد الدائري. كيف ذلك؟

لإنجاح هذا التصور، يجب الاعتماد على مبادرة الاقتصاد الدائري، وتوظيف تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في الإنتاج الصناعي، من خلال تقييم حالة المنتجات وقابلية إعادة تدويرها عبر البيانات، وتعزيز إعادة التدوير لتقليل النفايات والحفاظ على الموارد، وترشيد استهلاك المواد الطبيعية في عمليات التصنيع وتوظيف البيانات لمعرفة مصادر التصنيع، مع استخدام هذه البيانات لتحديد مسار المواد والمنتجات الصناعية.

 

  • ما خلفية هذا الاقتصاد؟

جاء هذا التصور لعدة أسباب، من بينها مطالبة الدول الرائدة للمجتمع الدولي بتسريع وتيرة تطبيق معايير هذا الاقتصاد، ضمانا لتعزيز تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وتعزيز توظيف تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، لتحقيق اقتصاد دائري بكفاءة وفعالية، واعتماد الشراكة بين وزارة التغيير المناخي والبيئة والأجهزة المعنية من المؤسسات أو مراكز الذكاء الصناعي ومناقشة آليات تعزيز ممارسات الاستدامة في الإنتاج والاستهلاك، علاوة عن مواكبة معايير الاقتصاد الدائري وكيفية الاستفادة من نموذج مبادرة سكال 360 لدفع عجلة التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر الصديق للبيئة، وتضمن تحقيق نمو اقتصادي بوتيرة تحمي مواردها الطبيعية وتنوعها البيولوجي مع إيجاد منصة تجمع أصحاب المصلحة من القطاع الحكومي والخاص لتسريع وتيرة الاقتصاد الدائري عالميا.

 

  • وعن مبادرة مشروع طريق الحرير والحلم الجديد، حدثنا عن هذا؟

يمكن أن نلخص هذه الفكرة في جزئية هامة، على أن دعم استراتيجية التنمية بين نحو 60 دولة تنعكس إيجابيا على 4.4 ملايير نسمة تقريبا، بمعدل 63 بالمائة من إجمالي تعداد سكان العالم، كما أن الصين ستصدر 500 مليار دولار لدعم مبادرة حزام واحد طريق واحد، علاوة عن كونه سيخصص لهذه المبادرة أيضا نحو 10 تريليونات دولار، والتجارة بين دول حزام واحد وطريق واحد في خمس سنوات المقبلة.

 

  • هل هناك إمكانية وقوع مخاطر للتغيير المناخي على اقتصاد هذه الدول واستشراف التحولات الكبرى؟

نعم.. ستتأثر اقتصاديات هذه الدول بتراجع شديد في معدلات السياحة ونقص الماء والغذاء وتهديد الإنتاج الزراعي العالمي. وقد تبرز عدة سلوكيات خطيرة، منها الإفراط في الاستهلاك وعشوائية التخطيط والتحليل والقراءات الخاطئة وانتهاء العصر النفطي، وانتشار الأوبئة والأمراض والتلوث البيئي والعزوف والتصحر الزراعي، إلى جانب انتشار ثقافة الربح السريع وتراجع السلطة الأخلاقية.. أما بخصوص استشراف التحولات الكبرى الناجمة عن هذه الظروف، فيمكن القول بأنه في ظل ما يعيشه العالم من تسارع للأحداث يجعل الخبراء يتوقعون حدوث تحولات كبيرة خلال العقد المقبل، مع ظهور قوى جديدة وثورة تكنولوجية حيوية رقمية، بما يؤثر حتما على حصص الدول في اقتصاد العالم. كما أن العالم سيواجه من جهة أخرى تحدي انتشار عدم المساواة في الدخل والثروة والفرص على نطاق واسع، فضلا عن كون العالم سيكون أمام حتمية إزالة 1000 غيطا طن من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، بحلول سنة 2100، في وقت متوقع أن يصل تعداد سكان العالم 8.5 مليارات نسمة في عام 2030.

 

  • وماذا عن الهزات الاقتصادية المحتملة؟

نعم.. ستعرف اقتصاديات بلدان العالم عدة هزات اقتصادية، من بينها عدم القدرة على التحكم في تغير موازين الأسواق الاقتصادية والمالية المحلية الإقليمية والعالمية. وستعمل هذه الإشكالية على ظهور تحديات ومخاطر جديدة، فضلا عن فقدان الآليات الاستباقية في مجال إدارة مستقبل المنظومة الاقتصادية والاجتماعية داخل وخارج الدول. وساهم هذا الوضع في انتشار التطرف بمختلف أنواعه. كما أنه خلال العشرية 2020- 2030 سيواجه العالم صراعات مصالح كبيرة تنعكس على تبني المواقع الجغرافية بشتى الأساليب، خاصة في حالة تكرار سيناريوهات الركود الاقتصادي، علاوة عن كونه استشرافيا، لا يمكن استبعاد أزمة عالمية في الأفق، أكثر شمولية بعد جائحة كورونا، خصوصا إذا استمرت المقاومة الجيو استراتيجية بين أبرز أطراف معادلة التنافس على تاج القطبية العالمية، فضلا عن غياب المرونة الاقتصادية والاجتماعية بين الدول العظمى وبعض الاتحادات الإقليمية الوهمية، جراء تغير إدارة القوى الاقتصادية العالمية حول التعامل المجدي المشترك بالفكر الأحادي أو الثنائي أو الجماعي.

 

  • كيف واجهت الجزائر أزمة كورونا في ظل مسرعات الاقتصاد الاجتماعي؟

أسهم نبض الاقتصاد الاجتماعي المطبق في الجزائر عبر حزمة الإجراءات المالية في اعتماد تطبيق آليات للتخفيف من الضرائب، وإلغاء غرامات التأخير في التسديد، وتخصيص 65.53 مليار دينار لمواجهة هذا الوباء، ورصد 22 مليار دينار كإجمالي منحة العائلات المتضررة من الوباء، والعملية التضامنية في رمضان، وتوجيه 24.7 مليار دينار إلى منحة العائلات المحتاجة، إلى جانب صرف 32.2 مليارا لمساعدة وإجلاء المواطنين من الخارج.

 

  • كيف ترى مستهدفات الاقتصاد الاجتماعي المراد العمل به؟

يراد من هذا مراجعة أنظمة تسير الموانئ البحرية وفق المعايير العالمية لأنظمة الرقمنة المتكاملة والمراكز اللوجستية العصرية، وتفعيل الدور الرقابي الفعال لمتابعة تقييم أداء الجهات المعنية برعاية ودمج الفئات المجتمعية الهشة والمتضررة، وإنشاء صندوق وطني خاص بإدارة المواهب ورعاية المبتكرين والرواد، وإعادة تشكيل المهارات. كما أن هذا النهج يرمي إلى تحقيق حلم الهجرة المعاكسة بشغف العودة إلى الوطن، من خلال تعزيز التجارة الثنائية غير النفطية والاحتفال بآخر برميل باعتماد المرونة المستمرة للتبادل الاقتصادي خلال الكوارث والأزمات، ومحو الأمية الرقمية وتحسين البيئة التحتية الرقمية في سباق نحو الاقتصاد الرقمي، وتطبيق مخرجات وتوصيات صناع القرار والمسؤولين في القطاع الحكومي والخاص، وتصميم وإطلاق برنامج وطني ألجيريا 360 وفق معايير منظومة الاقتصاد الدائري، ومراجعة وتحديث الأطر القانونية والنصوص التنظيمية لقطاع التجارة بالتجزئة الملائمة، وإتمام أنظمة تسير المنشآت والمرافق السياحية والتجارية وفق الأهداف الاستراتيجية المعتمدة، مع توطيد العلاقات والشراكات ذات القيمة المضافة مع الشركات والمؤسسات العالمية الرائدة، وتفعيل اتفاقية طريق الحرير، دون إهمال حتمية تحديد وظائف المستقبل 10 سنوات القادمة، وربطها مع متطلبات سوق العمل وفق اختصاصات مختلف المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص.

 

  • بخصوص مسألة مستهدفات قطاع الاقتصاد الاجتماعي، هل من أفكار أخرى؟

طبعا، إن تطبيق هذا النهج يجب أن يرتبط بالمرونة في إعادة هيكلة هذا القطاع وسلاسة في مفاصل القطاعات الفرعية الداعمة له، من خلال العمل على تحديث وتعديل التشريعات والقوانين الداعمة له، وتحفيز الشباب عبر تطوير قنوات الإمداد ودعم المؤسسات والمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتحديث الأوراق النقدية وفتح مجال تأسيس نظام الصرافة المعتمد، مقابل رسوم لفائدة الخزينة العمومية، وتوفير البيانات المفتوحة حول ثقة المستثمر والمستهلك والمبيعات لكونها أولوية المستثمرين، وتوفير الدعم المالي لعمليات الإنتاج الصناعي التنافسي، واستقطاب الشراكات مع القطاع الخاص، وتشكيل فريق عمل متخصص في أسواق العالم في إطار التجارة الخارجية تكون قادرة على دعم الأعمال بجذب الشركاء الفاعلين من خلال الدبلوماسية الاقتصادية، إلى جانب تصنيف البرامج السياحية الداخلية، وتقييم إنجازات الاستثمار السياحي وإبرام اتفاقيات للشراكة مع الوكالات السياحية الوطنية والدولية الرائدة، مع تعزيز تشييد المرافق الرياضية بمساهمة القطاع الخاص، ونشر ثقافة الممارسة الرياضية في المجتمع واعتمادها كأسلوب للحياة، فضلا عن مراعاة مكتسبات العقد الاجتماعي كأحد مرتكزات نجاح تنفيذ خطة الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي، وبناء استثمارات مشتركة بين المؤسسات ضمن استراتيجية الاقتصاد المحلي- حكومي- حكومي وحكومي- خاص وحكومي وشبه حكومي، مع ضرورة تفعيل دور المناطق الحرة، وتوفير مناصب الشغل ودعم الناتج المحلي الإجمالي في منظومة داعمة لأعمال وتنويع الاقتصاد.

 

  • كيف ترى مسرعات مستقبل خارطة السياحة لما بعد جائحة كورونا؟

نظرا إلى أهمية قطاع السياحة في رسم المشهد الاقتصادي للبلاد ضمن أولويات الفترة المقبلة، وفي ظل الاهتمام المتنامي بالقطاع والحرص على دفع وتيرته نحو مزيد من التطور والنمو للحفاظ على استدامته، يمكن إبراز بعض المسارات من أجل تمكين قطاع السياحة، ومنها التنشيط الفعلي لعودة الطيران الداخلي بأسعار مناسبة، دعم التعافي السريع لمكونات القطاع بكفاءة وفعالية، إطلاق خطط ترويجية مبتكرة باستخدام التقنيات الحديثة مع التركيز على تنوع للمنتجات السياحية في كافة ولايات الوطن، والتنسيق التام في برمجة حركة وسائل النقل الوطنية، وتسهيل إجراءات الحصول على التأشيرة وتوفيرها، وفتح الأسواق السياحية غير التقليدية وترقية خدماتها، مع الترويج للعروض الفندقية بزيادة التسهيلات والمحفزات الجذابة، علما أن الجزائر تمتلك إمكانات وقدرات سياحية طبيعية ضخمة تجعل من قطاع السياحي أحد المسارات الداعمة لقيادة الاقتصاد المحلي حاليا ولما بعد النفط، حيث إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إنتاج حلول مبتكرة، سواء من خلال الاستفادة من التقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي في ترويج المنتج السياحي المحلي، أم تفعيل التنسيق مع الناقلات الوطنية التي يمكنها الوصول إلى جميع أنحاء العالم، من خلال الأسطول الحديث عبر الحدود البرية، الجوية والبحرية. كما نذكر بعض المرتكزات المساعدة على عودة النشاط السياحي في البلاد، منها استقرار الحالة الأمنية والاطمئنان ضمن الإجراءات الاحترازية المتبعة وفق أعلى المعايير العالمية، تأسيس بنية تحتية تشمل مشاريع تطوير الموانئ والمطارات، توفير المناخ الاستثماري الجذاب وفق تشريع عصري محفز، وتنويع البرامج والمنتجات السياحية التي تمزج بين الأصالة والحداثة، وإبراز الفسيفساء الطبيعية للبلاد من صحراء جذابة وشواطئ ساحرة، وتشييد سلسلة من الفنادق تضمن خدمات راقية، وتعزيز المكانة الإقليمية والعالمية ضمن أبرز وجهات العالم للمسافرين، وإنشاء مناطق سياحية عصرية مع إطلاق برامج تنموية ضمن خطة مستقبلية شاملة.

 

 

مقالات متشابهة