15 مايو، 2021
الحوار الجزائرية
المجلة

الأستاذ لطفي غرناؤوط: الاهتمام بالفلاحة ضرورة لإنجاح خطة الإنعاش  

 حاوره : نبيل فرشة

 

أكد الدكتور لطفي غرناؤوط أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة تولوز الفرنسية على ضرورة الاهتمام بالفلاحية كقطاع محوري بهدف إنجاح خطة الإنعاش الاقتصادي التي سطرت في الندوة الأخيرة وقدم الخبير في تصريحه ل “مجلة الحوار” جملة من الاقتراحات التي من شئنها الارتقاء بقطاع الفلاحة والصناعة الغذائية والتحويلية في الجزائر.

 

  • كيف تقيم قرارات الندوة الوطنية للإنعاش الاقتصادي في مجال الزراعة؟

الندوة الوطنية حول مخطط الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي التي تم خلالها عرض الخطة النهائية للإنعاش تعتبر نقطة انطلاق لبناء نموذج اقتصادي جديد ومتكامل مبني على تنويع مصادر الدخل الوطني وفك ارتباطه حصريا بعائدات النفط بتشجيع الإنتاج المحلي وتثمين الإمكانات المحلية ورفع القيود والعراقيل عن الاستثمارات .

كما أن رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون ركز على القطاع الفلاحي بشكل خاص منذ توليه قيادة البلاد كبديل قوي ومحرك للإقتصاد الوطني وحدد التوجهات الكبرى التي اتضحت ملامحها قبل انعقاد أشغال الندوة والتي يجب إتباعها في منهجية عمل الحكومة والوزارة المعنية وذلك من خلال استغلال كل الإمكانيات الطبيعية الهائلة بشكل أمثل يضمن التقليل من فاتورة الاستيراد الضخمة للمواد الفلاحية والغذائية التي قدرت بحوالي 8.07 مليار دولار بالنسبة للمواد الغذائية والحبوب والأعلاف ، خاصة وان القطاع أثبت مكانته بفضل جهود الفلاحين خلال الأزمة الصحية وتذبذب المبادلات التجارية العالمية.

 

  • ماهي أهم الخطوات الاستعجالية  التي من الممكن أن تقدمها كخبير في مجال الزراعة خاصة وان القيادة السياسية في الجزائر تركز على هذا القطاع النهوض بالاقتصاد الوطني؟

الاهتمام اليوم بالفلاحة كقطاع محوري ليس خيارا وإنما ضرورة لإنجاح خطة الإنعاش ،و جائحة كورونا بينت مكانة الفلاحة في الجزائر والعالم ووضحت الرؤية بخصوص ضرورة تحيين وإعادة ترتيب الأولويات لأن كل الخطوات لتطوير القطاع تعتبر استعجاليه لارتباطها ببعضها ولتدارك التأخر أؤكد على التزامن في إنطلاق كل الورشات التنموية في القطاع في وقت واحد ،فورا وتفعيل التنسيق القطاعي الدقيق. وبالنسبة للأولويات الأكثر استعجاليه فعلينا البدا بالأراضي الفلاحية، إحصاءها وتنظيم الأحواض الإنتاجية وتوسيع الأحواض المسقية وتسوية كل مشاكل العقار الفلاحي لاستغلاله بشكل أمثل كعامل أساسي لتحقيق الأمن الغذائي والتغذوي للبلاد ،إلى جانب الإسراع في إنشاء الهياكل القاعدية الأساسية للتخزين والتبريد وربط المزارع خاصة في المناطق النائية بشبكة طرقات وتزويدها بالطاقة وأيضا ضرورة تشجيع الاستثمار الفوري في هياكل التحويل لامتصاص المنتوج إلى جانب تنظيم الفلاحين في تعاونيات فلاحية وخلق تعاونيات للاستعمال الجماعي للمكننة العصرية المكلفة وتطوير نظام التأمين خاصة وان قطاع الفلاحة هو الأكثر تعرضا للمخاطر من غيره. وبالتالي فإن توفير البنية التحتية الفلاحية ضرورة لانطلاقة فعلية.

 

  • كيف تقيم الصناعة التحويلية في الجزائر في مجال الفلاحة وماهي الآليات التي من شئنها تطوير هذا المجال؟

كان رئيس الجمهورية قد تحدث عن مؤشر اقتصادي إيجابي جدا للقطاع الفلاحي بخصوص قيمة المنتوجات الفلاحية والتي قدرت بحوالي 25 مليار دولار  لكن تبقى الصناعات التحويلية الغذائية الحلقة الغائبة ورغم القيمة المشجعة إلا أن مساهمة القطاع تبقى متواضعة في الناتج الداخلي الخام المقدرة بحوالي 12% ويسجل نسبة نمو بطيئة وبالنظر لإمكانات القطاع وآفاقه الاقتصادية الضخمة حيث أن هذه القيمة رغم أنها تفسر بالارتفاع المحسوس في الإنتاجية خاصة فيما يخص شعبتي الخضر والفواكه والمقدر بحوالي 400 % خلال العشر سنوات الأخيرة وبوتيرة أسرع خلال السنتين الفارطتين وارتفاع حتى في الشعب الأخرى حسب أرقام الديوان الوطني للإحصاء إلا أنها أرقام تبين الخلل الكبير الذي يكمن في غياب آليات وعليه فإن بعث قطاع الصناعات التحويلية الزراعية سيحل مشاكل كبيرة يعاني منها الفلاح وأغلب المشاكل الاقتصادية ونظرا لأهمية التحويل الغذائي ودوره في خلق ديناميكية حقيقية كنت قد اقترحت في العديد من المناسبات استحداث وزارة أو وزارة منتدبة خاصة فقط بالصناعات الغذائية وإنتاج المواد الفلاحية وذلك على الأقل لمدة 5 سنوات خاصة في ظل الأهداف المسطرة برفع الإنتاجية الفلاحية وعلى غرار الدول المتقدمة التي تركز على التحويل كفرنسا مثلا اين نجد ان 80% من الصناعة هي صناعة غذائية وتساهم بفائض يقدر بأكثر من 7 مليار أورو في ميزانها التجاري وذلك لما لها من أهمية كبرى في استدامة قطاعات أخرى وكأكبر قطاع لامتصاص اليد العاملة المؤهلة والبسيطة وبالتالي نحن اليوم أمام حتمية مضاعفة الجهود لرفع كل العراقيل والقيود الإدارية لتشجيع الاستثمار في الصناعات التحويلية وتعميم انتشارها بشكل مدروس بمحاذاة الأحواض الإنتاجية.

 

  • عانى قطاع الفلاحة في مراحل سابقة من روعة في التسيير خاصة فيما يخص العقار الفلاحي ماهي الحلول التي من الممكن ان تقترحها لتفادي الأخطاء السابقة ؟

يتواجد اليوم القطاع الفلاحي في قلب الضغوطات لتلبية الطلب الداخلي من حيث الكمية والنوعية من جهة وخفض فاتورة الاستيراد والاستغناء عنها نهائيا على المدى المتوسط ودخول مجال التصدير وبالتالي فإن الحديث عن مسألة الأمن الغذائي ليس بالأمر السهل  فبغض النظر عن الركود المتعلق بالتسيير والحوكمة في القطاع التي خلفت جملة من التراكمات إضافة إلى المعيقات التقنية فإن المشكل الأكبر في الجزائر الذي يعيق رفع إنتاج المحاصيل الإستراتيجية الكبرى هو قلة المساحات الصالحة للزراعة بالنسبة لهذه المحاصيل وتمركز إنتاج الخضر والفواكه بالشمال بالنظر إلى الزيادة في عدد السكان ورغم شساعة الجزائر إلا ان نسبة الفرد لا تتعدى 0.2 هكتار وهي نسبة أقل من دول الجوار تونس والمغرب وعليه فإن العقار الفلاحي هو الشق الذي يجب التركيز عليه كثيرا اليوم بالموازاة أكيد مع فتح ورشات عديدة أخرى.

فمن الصعب اليوم التحدث عن زراعة عصرية وعن إكتفاء ونحن لا نستغل إلا نسبة قليلة من المساحة الإجمالية صالحة للزراعة. وبالتالي يمكن القول أننا اليوم لم نستغل كل إمكانياتنا من هذا المورد الطبيعي والمتمثلة في آلاف الهكتارات في السهوب إلى الضياع بسبب زحف الرمال التصحر الناتج عن بعض الممارسات الزراعية التقليدية كالحرث العميق وإهمال الدورات الزراعية النافعة وإهمال صيانة الحاجز الأخضر وتجديده ما أدى إلى التخلي عنها، كما تعرض جزء آخر من الأراضي إلى زحف الإسمنت حتى في سهول تعتبر من أخصب الأراضي وأكبرها إنتاجية كسهل هذا نتاج أخطاء كبيرة وقعت فيها الإدارات المحلية كما لا ننسى الممارسات الإدارية في منح الآلاف من الهكتارات لمن لا يستحقها من أشباه المستثمرين في حين يبقى المنتج الحقيقي يتخبط بين أعبأ كراء الأراضي الزراعية ونفس الشيء بالنسبة للمتخرجين من الشعب الفلاحية الذين يعانون من البيروقراطية الإدارية وعدم إستغلال هذه الأراضي لاغراض إنتاجية إقتصادية رغم أنهم الأولى وكل هذا رغم السياسات المتعاقبة المسطرة لحماية الأرض بموجب الدستور والشعار الذي لازمها “الأرض لمن يخدمها”.

و يجب العلم أن التنمية الفلاحية لا تتجسد إلا من خلال الاستغلال الأمثل لكل إمكانياتنا الطبيعية بداية من توسيع حجم المساحات المسقية وإدخال أنظمة ري حديثة وإقتصادية واستصلاح أكبر حجم ممكن من الأراضي.. هذا الاستغلال هو جزء كبير من الحل للتقليل من التبعية للخارج في هذه المرحلة مع تفعيل دور الرقابة محليا في ظل وجود أطر قانونية لحماية العقار الفلاحي الذي تعتبره النصوص القانونية الحالية خطا أحمر ولذا يجب تحريره من الجهوية والمحسوبية وتجسيد شعار الأرض لمن يخدمها فعليا وعلى أرض الواقع.

 

  • تصدير التمور وزيت الزيتون والحمضيات شهدت نقلة نوعية مؤخرا لكن قيمة الصادرات تسجل أرقاما ضعيفة… أين يكمن الخلل؟

يجب التأكيد على أن المبادلات التجارية الجزائرية مع الخارج تترجم بعجز كبير في الميزان التجاري حيث تم تسجيل عجز ب 6.11 مليار دولار في 2019 مقابل 4,53 مليار دولار في 2018 حسب الإحصائيات السنوية للمديرية العامة للجمارك وذلك رغم أن الجزائر تتسم بطابعها الفلاحي وتنوع المنتوجات وإمكانية توفيرها طول السنة الا ان واردات المواد الفلاحية والغذائية تبقى أكبر من صادراتها ولا تمثل إلا نسبة ضئيلة جدا من الصادرات التي تعتمد باكثر من 92% على قطاع المحروقات الذي يساهم في تغطية قيمك الواردات بحدود 85%. حيث يقتصر التصدير الفلاحي على بعض المنتوجات كالتمور مثلا وبعض المنتجات الزيتية ولكن يمكن اعتبار تصدير المواد الفلاحية في الجزائر محتشم جدا ورمزي وتغيير الوضع حاليا يحتاج لجهود كبيرة من طرف الدولة التي كانت غائبة في السابق في هذا المجال وعمليات تصدير المواد الفلاحية الخام والمحولة كانت أغلبها مبادرات فردية من طرف متعاملين اقتصاديين ومنتجين.اليوم يجب التأكيد انه توجد إرادة حقيقية في التركيز على تصدير المواد الفلاحية كطريق آخر بعد التحويل لتثمين المنتوج المحلي المتنوع وخلق القيمة المضافة ،إلا أنه يتعين علينا تجنيد كل الوسائل الضرورية لتأطير وإنجاح العملية من وسائل بشرية، مادية وتقنية بدءا من وضع إستراتيجية لوجيستية تخص هياكل التخزين والتبريد على مستوى الموانئ، النقل وإستراتيجية أخرى تقنية من حيث ضبط الجودة وعقلنة تكاليف الإنتاج وتكييف المنتوج مع الطلب الخارجي ومطابقته للشروط الصحية والعمل على توسيم المنتجات والبحث عن أسواق مستدامة وهنا يمكن الحديث عن تفعيل دور الدبلوماسية الاقتصادية الهام جدا لربط علاقات إقتصادية مع متعاملين أجانب وتوفير المعلومات الإحصائية المحينة للمتعاملين الجزائريين من حيث احتياجات الأسواق الخارجية ،إذ أن كل الدول الكبرى التي تعتمد إقتصاداتها على الصناعة والزراعة تعتمد بشكل كبير على ممثلياتها الديبلوماسية في علاقاتها التجارية .

 

  • كيف يمكن للزراعة الصحراوية ان ترتقي وتواصل تطورها خاصة أنها حققت نتائج واعدة؟

الحديث عن الزراعة الصحراوية ليس بالأمر السهل لارتباطها بالعديد من العوامل المناخية ،البيئية والتقنية  لكن دعني أقول أن “الزراعة الصحراوية حتمية لتحقيق الأهداف المسطرة وأعتبرها فرصة إقتصادية نظرا للعديد من المؤشرات … لكن بشروط لضمان نجاعتها الإقتصادية وإستدامتها كما يجب التأكيد على أن التفكير في وضع وتجسيد أسس متينة لسيادة غذائية يعتبر اليوم منعرج مفصلي في تحديد مستقبل الفلاحة في الجزائر وتقليص الفارق بين الصادرات والواردات الزراعية والغذائية وهذا بكل موضوعية لا يمكن إلا من خلال استغلال أمثل لكل إمكانياتنا الطبيعية من استصلاح للأراضي الفلاحية والرفع من المساحات الزراعية والموارد المائية بشكل عقلاني وحديث فالزراعة الصحراوية اليوم حتمية لأن المساحات في الشمال لا تفي بالغرض من حيث حجمها، نوعية وحجم المزارع والنجاعة الاقتصادية ويجب مواصلة توسيع استغلالها في شعبة الخضر والأشجار المثمرة وتطوير شعبة الكروم إلى جانب المحافظة على طابع الزراعات الواسعة في الهضاب العليا واليوم نحن أمام تحدي تقليل التبعية للخارج خاصة في المنتجات الإستراتيجية كالحبوب والأعلاف والحليب واللحوم. أما بالنسبة لشروط نجاحها فإن الخطة المعتمدة يجب أن تكون متأنية وتأخذ بعين الاعتبار المخاطر الكبيرة وكعامل أساسي أبعاد التنمية المستدامة لضمان التوسع والاستدامة في الإنتاج في هذا النوع من الزراعات بشكل يضمن المحافظة على الموارد وتحقيق نجاعة إقتصادية. خيث أن الزراعة في الجنوب تحتاج لامكانيات مادية وتقنية ضخمة (مكننة ثقيلة، معدات حديثة لمعالجة المياه، طاقة، ممارسات ودورات زراعية حديثة لتقليل تكاليف الأسمدة نظرا لفقر التربة ودورات زراعية تساهم في تقليل نسبة الملوحة ، إختيار أصناف مقاومة للرياح والملوحة ونقص الأمطار ….) وأيضا العمل على برامج للتقليل من المخاطر الفلاحية في الجنوب كالجراد مثلا بتفعيل أنظمة إنذار استباقية. إلى جانب ذلك يجب أيضا مضاعفة الجهود في بشكل فوري في الإستثمار في تمتين البنية التحتية من هياكل تخزين وتبريد ومخابر وشبكة طرقات لتسهيل التزود بالمدخلات والطاقة تكون محاذية للاحواض الإنتاجية التي تم تحديدها في مرحلة أولية على غرار ولايات غرداية، ادرار وورقلة وتوفير مرافقة تقنو-إقتصادية فعالة ودقيقة للمستثمرين وربط الأحواض الإنتاجية بمؤسسات البحث العلمي كعامل أساسي لنجاح وإستدامة هذا النظام الزراعي المعقد. وبالتالي أمام هذه الحتمية التي تفرضها الأهداف المسطرة يجب أن التفكير بمنطق النجاعة الإقتصادية وغير ذلك لا يعتبر تحقيق للأمن الغذائي خاصة إذا توفر المنتوج في السوق الدولي وبأسعار تنافس المنتوج المحلي.

 

  • كلمة أخيرة

الأزمة الصحية أظهرت جليا مكانة الفلاحة في الجزائر والعالم ووضحت الرؤية في تحيين ترتيب الأولويات الاقتصادية وإصلاح الفلاحة يعتبر نقطة محورية في نجاح مخطط الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي في الجزائر لبعث ديناميكية حقيقية وتحسين مناخ الأعمال والشغل في إطار تنمية مستدامة واستغلال أمثل لإمكانياتنا الطبيعية والبشرية ودعم للابتكارات في المجال حيث أن الزراعة اليوم تعتبر الملعب الجديد للمؤسسات الناشئة وابتكاراتها والذي يوفر احتمالات نجاح وتحقيق أهدافها وكل هذا مرهون بتفعيل عملية التشاور وتوسيعه لضمان قبول البرامج ونجاحها، والندوة الأخيرة التي عرض فيها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون المخطط الإنعاشي أمام الشركاء الإقتصاديين والاجتماعيين تجعلني متفائلا بمرحلة جديدة في مسيرة بناء نموذج اقتصادي جديد ومستدام .

 

 

مقالات متشابهة