4 أبريل، 2020
الحوار الجزائرية
المجلة

مستغانم..محروسة العلماء وحاضرة الأولياء وجامعة الأتقياء

 

 

..حين تجتمع أصالة المعالم بجمال الطبيعة

مستغانم..محروسة العلماء وحاضرة الأولياء وجامعة الأتقياء

 

من قال إن مستغانم المدينة الساحلية هي تلك المدينة التي تتربع فقط على الشريط الساحلي الذي يمتد من شاطئ “البحارة” المتواجد ببلدية “عشعاشة ” إلى شاطئ ” سيدي المنصور الذي يقع قرب ” بلدية ستدية “، بل أنها المدينة التي تزخر بمعالم دينية في غاية الجمال، ثم الأهمية من حيث عمق دلالتها التاريخية وقمية ما تعنيه سياحيا لمدينة المجاهد والشاعر “سيدي لخضر بن خلوف”، الذي قضى أزيد من مائة وعشرين سنة في الكفاح ضد “الإسبان” وقضى كل حياته في مدح “المصطفى عليه الصلاة والسلام”، وضريحه اليوم مزار لقطاع واسع من الزوار يقصدونه من مختلف مناطق الوطن، وهذه مستغانم هي الآن الحاضنة للعديد من “الطرق والزويا” التي تنشط في مناطق بالولاية، منها “الزواية العلوية”، “الزاوية السنوسية”، “الزواية القادرية”، “الزاوية التيجانية” وغيرها من الزوايا التي تحفظ لهذه المدينة طابعا تاريخيا وسياحيا يتطلع العديد من الباحثين والفاعلين في القطاع السياحي إلى الاستثمار في مكنوناته الأصيلة. وعلى الرغم من الميزة التي تنفرد بها مستغانم في وجود معالم دينية يمكن أن تكون مرتكزا للسياحة الدينية، إلا أن الاهتمام بهذه المعالم وما تختزنه من تراث وتاريخ مازال لم يرقى إلى المستوى المنشود، في حين يلح العديد من الفاعلين والباحثين في هذا المجال إلى تدارك هذا النقص الموجود باستحداث مبادرات وسياسيات على المستوى المحلي يمكن أن ترتقي بالسياحة الدينية بمستغانم التي عمر بها علماء وصالحون وبنيت فيها مساجد عتيقة.

ربورتاج: محمد مرواني

ضريح سيدي لخضر بن خلوف معلم ديني ومزار للسياح

 

وأنت تتوجه إلى بلدية سيدي لخضر إحدى كبرى بلديات مستغانم التي تقع بالجهة الشرقية للولاية والمعروف عنها كثرة قراها وطابعها الفلاحي المتميز، تترأى لك وأنت تنزل ضيفا على أحفاد بن خلوف “النخلة الشامخة المنتصبة الممتدة إلى قبر الولي الصالح والمجاهد المرابط سيدي لخضر بن خلوف، وداخل الضريح تجد المسجد الذي يصلي فيه الناس، وكان ولازال منارة لتدريس القرآن الكريم والسيرة النبوية والفقه المالكي، إذ كان الشيخ العلامة “الحاج محمد بوكروشة”، رحمه الله عليه، يدرس فيه كل العلوم الإسلامية ويحضر دروسه الطلبة المسافرون. وعن قصة النخلة المنصوبة بضريح الوالي الصالح والمجاهد سيدي لخضر، يقول العديد من الباحثين أنها وردت في إحدى قصائد الشاعر ومداح النبي عليه الصلاة والسلام لأزيد من 100 سنة كاملة، إذ يقول سيدي لخضر بن خلوف في إحدى وصاياه “والنخلة المثبتة حذاها قبري يا مسلمين…”. وتعبر هذه النخلة عن شموخ المنطقة التي عاش بها سيدي لخضر وخرج منها مجاهد في سبيل الله يصارع الاحتلال الاسباني في معركة “مزغران الشهيرة” التي خاضها ضد الإسبان. ويحتفظ سكان الضريح والولي الصالح سيدي لخضر بن خلوف، بتاريخ الرجل الذي تتعدد ملامح وأبعاد شخصيته الفذة، فهو مجاهد وشاعر، ثنائية لا تجدها ألا في سير العظماء الذين أفنوا حياتهم في تجسيد رسالة خالدة في المجتمع. وفي ضريح سيدي لخضر بن خلوف تجد المئات من الزوار يتوافدون على قبره زوارا ومتأملين في سيرته العطرة والطيبة. كما تجد سكان القرية متمسكين بإحياء تظاهرات محلية تخلد أثره الناصع، على غرار “ركب سيدي لخضر بن خلوف والمهرجان الوطني الذي يخلد ذكراه السنوية”. ويعتبر ضريح سيدي لخضر بن خلوف، أحد برز المعالم الدينية والسياحية التي تزخر بها مستغانم وتعرف به على الصعيد الوطني .

 

السياحة الدينية في مستغانم تحتاج إلى دعم من السلطات      

 

هذا، وفي لقاء صحفي خص به ” الحوار”، قال رئيس لجنة “السياحة والصناعة التقليدية” بالمجلس الشعبي الولائي لولاية مستغانم “محمد ديلمي”، إن السياحة الدينية في مستغانم تحتاج فعلا إلى اهتمام واسع وخاصة من قبل السلطات المحلية، التي وأن اهتمت كثيرا بمجالات أخرى في قطاع السياحة إلا أن التركيز على الاستثمار في المعالم الدينية التي تزخر بها مدينة مستغانم وحتى بلدياتها الاثني وثلاثين، يبقى من الأولويات التي يجب أن تكون في برامج التنمية المحلية، إذ تحصي مستغانم العشرات من المساجد العتيقة التي يعود تاريخها إلى “العهد العثماني”. كما أنها تزخر بالعديد من التظاهرات المحلية التي يلتقي فيها ماهو ديني وسياحي في مظاهر احتفالية راقية، على غرار “طعم سيدي لخضر بن خلوف ” الذي يتم الاحتفال به كل سنة، والذي مازال تظاهرة محلية لم يتم الاستثمار فيها بالشكل الكافي، خاصة وأن مختلف الطبعات المحلية لـ”الطعم” كانت تستقطب لسنوات، وفي التسعينات، الآلاف من الزوار والضيوف الذين يتوافدون على ضريح “سيدي لخضر بن خلوف” المجاهد ومداح المصطفى عليه الصلاة والسلام. وقال “محمد ديلمي “إن المجلس الشعبي الولائي، وعبر لجنة “السياحة والصناعة التقليدية”، يبذل مجهودات مهمة في سبيل ترقية السياحة بشتى أشكالها وأنواعها في الولاية. وقد قامت “لجنة السياحة والصناعة التقليدية” بتنظيم خرجات عديدة لتفقد وضعية مرافق سياحية ومعالم موجودة بالولاية. وقال المنتخب المحلي بـ”أبيوي” مستغانم، أن النقص الموجود في مجال السياحة الدينية في مستغانم يتجلى في غياب جمعيات خارج المنابر الجمعوية الدينية والزوايا المعروفة التي تهتم بالسياحة الدينية وتستهدف تنشيط العمل الديني السياحي. وقال المتحدث لـ “الحوار ” إن غياب ثقافة عمل تشاركي جمعوي، ومع السلطات أيضا في هذا المجال، يبقى مطروحا بشكل واضح، إذ تنظم العديد من التظاهرات الدينية ذات البعد الديني الأصيل والسياحي، غير أن هذه التظاهرات تبقى في الحيز المحلي للمناطق التي تنظم بها ولا يتم الترويج لها بأسلوب يمكن الشباب أيضا من التواصل مع هذا النوع من التظاهرات الدينية والسياحية. واعتبر “محمد ديلمي”، أن بلديات مستغانم خاصة التي تختزن معالم دينية وأثرية مهمة تحتاج إلى مخطط عمل تنموي محلي دقيق يراعي البعد الديني والسياحي الثري الذي يمكن الاستثمار في مكوناته، فبلديات “عين تادلس، سيدي لخضر، عشعاشة، مزغران، بوقيراط ..” هي بلديات معروفة بتظاهرات دينية سياحية، وتحتاج هذه البلديات إلى مرافق ومنشآت موجهة أيضا للوافدين والمشاركين في “الوعدات” التي تنظم بمناطق موجودة بهذه البلديات، وهي تظاهرات ذات بعد فكلوري ومحلي، غير أنها تعبر عن هوية ثقافية محلية في نظر الباحثين المهتمين بالتراث المحلي في مستغانم، وهو تراث غني وثري. وقال “محمد ديلمي”، رئيس لجنة السياحة والصناعة التقليدية بـ”أبيوي” مستغانم، إن العديد من الشخصيات والقامات العملية الدينية التي تشرف على زوايا في مستغانم تحتاج إلى مرافقة، وهي تنظم العديد من التظاهرات الدينية بالولاية، وتحتاج هذه الشخصيات البارزة إلى مرافقة إعلامية ودعم من قبل فعاليات المجتمع المدني الذي يجب أن يهتم بالسياحة الدينية من خلال إنشاء جمعيات تتخصص في هذا المجال الاستراتيجي الذي تهتم به العديد من الدول الشقيقة وحولته إلى قطاع قائم بذاته يعكس قوة السياحة وثرائها وعمقها، وما يمكن أن تعبر عنه في كيان الدول والمجتمعات .

 

نحو دليل سياحي لدعم السياحة الدينية

مدير الشؤون الدينية والأوقاف لولاية مستغانم، وفي لقاء صحفي لـ “الحوار”، قال إن مستغانم معروفة بطابعها السياحي الأصيل الذي يعبر عن الجانب الديني، إذ تعرف مستغانم بوجود زوايا عديدة لها مقرات بالولاية، على غرار “الزاوية التيجانية” و”الزاوية العلوية” و”الزاوية السنوسية”، وهي زوايا مهما اختلفت طرقها إلا أنها تشكل ثراءا ومخزونا في غاية الأهمية بالنسبة لمدينة مستغانم التي تستقبل مريدي هذه الزوايا من مختلف الولايات، خاصة حين يتعلق الأمر بتظاهرات تنظم في المدينة. وقال الأستاذ “قداري لخضر”، إن تكريس الثقافة الدينية السياحية يتطلب مشاركة العديد من القطاعات والمؤسسات والفعاليات الحيوية، منها قطاع السياحة والشؤون الدينية والأوقاف والجامعة والإعلام، معتبرا أن المخزون التاريخي للمدينة الذي تختزنه يبقى ثروة ثرية يجب الاستثمار فيها، إذ تعمل مديرية الشؤون الدينية والأوقاف بالتعاون مع مديرية السياحة والصناعة التقليدية على استحداث الدليل السياحي الديني الذي يمكن من التعرف على مختلف المعالم الدينية والسياحية التي تختزنها مستغانم من “زوايا، أثار، معالم تاريخية وسياحية “. وأعلن مدير الشؤون الدينية والأوقاف عن التحضير لعقد “ملتقى وطني ودولي” حول “السياحة الدينية”، تستقبل من خلاله مستغانم العديد من الرموز والقامات الدينية التي تؤصل وتعزز المرجعية الدينية، معتبرا أن التعاون الذي سيكون مع قطاع السياحة بمستغانم في هذا المجال بالذات، سيثمر نتائج مهمة. وأشار الأستاذ “لخضر قداري” إلى العديد من الزوايا الموجودة في مستغانم التي تنظم تظاهرات دينية، استقطبت مؤخرا، زوارا وضيوفا من خارج مستغانم المدينة، منها هذه التظاهرات الدينية المهمة “جلسات عباد الرحمان”، التي نظمت خلال شهر رمضان الفضيل. وقد استقبلت هذه التظاهرة الدينية المهمة أساتذة باحثين من مختلف ولايات الوطن، وتم وضع “خيمة بحجم كبير” تم اقتناؤها من ولاية “برج بوعريريج ” لإقامتها بساحة مسجد “عباد الرحمان” بمستغانم. ولقت هذه التظاهرة الدينية والسياحية إقبالا واسعا، وسمحت للزوار بالتعرف على مدينة مستغانم وطابعها السياحي. كما تم استقبال الوافدين بالمنشآت الفندقية الجديدة التي تم إنجازها بمدينة مستغانم. وقال مدير الشؤون الدينية والأوقاف، “لخضر قداري”، إن للسياحة الدينية على المستوى المحلي وحتى الوطني دور مهم وبارز في تعزيز المرجعية الدينية. ومن الضروري الاهتمام بها على المستوى الرسمي والجمعوي، مشيرا إلى الحضور المهم والبارز والقوي لمشايخ “الزوايا ” في مستغانم، الذين يضطلعون بدور ديني وإصلاحي متجدد. كما تمكن زيارات هذه “الزوايا” المعروفة بنشاطها المكثف في “تعليم القرآن الكريم” و”تدريس علوم الشريعة” من التواصل مع مختلف المعالم الدينية السياحية التي تتواجد بمستغانم، وتكشف عن أرشيف تاريخي أصيل تختزنه هذه المدينة السياحية التي تملك،  يضيف مدير الشؤون الدينية والأوقاف، مؤهلات في غاية الأهمية في مجال السياحة الدينية، تتطلب تظافر جهود جميع القطاعات لدعمها على مستويات محلية ثم وطنية. كما لا يمكن إغفال دور “المدارس القرآنية ” خلال الصيف في دعم السياحة الدينية، إذ تنشط هذه المدارس أيضا خلال موسم الاصطياف وعلى مدار ثلاث أشهر تقريبا، وهي تستقطب أيضا نشاطا دينيا راقيا وأصيلا وفي موسم سياحي بامتياز .

 

المخزون الديني السياحي بمستغانم يستوجب الاهتمام 

 

الأستاذ الجامعي في علم “الاجتماع والاتصال”، الدكتور العربي بوعمامة، قال لـ”الحوار “، إن تنظيم الملتقيات الأكاديمية، خاصة تلك التي تتيح توافد قطاع واسع من الباحثين والزوار الوافدين إلى المدينة، تعتبر هذه الملتقيات المهمة مقاربة هامة لدعم السياحة العلمية وحتى الدينية حين يتعلق الأمر بالملتقيات الأكاديمية التي تحيل المشاركين إلى ماهو “ديني”. وقال منسق ملتقى “الإعلام الديني” الذي نظم بجامعة عبد الحميد بن باديس لـ “الحوار” إن عدد من الأساتذة الجامعيين من مختلف الجامعات العربية، منها “مصر، الأردن، تونس، السودان” زاروا مدينة مستغانم وتعرفوا عليها من خلال ملتقى علمي دولي نظمته الجامعة منذ أربع سنوات. وقال الباحث ورئيس قسم علوم الاتصال والإعلام بجامعة مستغانم ومدير مختبر الدراسات الاتصالية والإعلامية، إن مستغانم تملك مؤهلات في غاية الأهمية في مجال السياحة الدينية، غير أنها لم تلق بعد هذه المؤهلات وهي عبارة عن معالم .دينية وتاريخية وسياحية الدعم الكافي لنشاطها وكيانها وقال الباحث الدكتور العربي بوعمامة، إن تشجيع الباحثين المهتمين، خاصة بتاريخ “الزوايا ” و”الطرق ” والبحث في “المعالم التاريخية”، يجب أن يكون ثقافة وممارسة لدى المؤسسات القطاعية التي يحيلها دفتر الأعباء إلى دعم السياحة بشتى أنواعها، خاصة السياحة الدينية، إذ عرج الأستاذ الباحث إلى زيارة قام بها قسم الإعلام لفائدة طلبة “التخصص ” لـ”الزاوية العلوية” التي تعتبر أحد المعالم السياحية الجميلة، والتي تستقطب الزوار من مختلف بلدان العالم. وقال الأستاذ إن هذه الزيارة مكنت الطلبة الجامعيين الشباب في تخصص “صحافة واتصال ” من التعرف على تاريخ “المطبعة العلوية” التي بدأت نشاطها مع بداية القرن التاسع عشر. وقامت مطبعة “الزاوية العلوية” بطبع العديد من الكتب والجرائد التي ظهرت إبان الحقبة الاستعمارية. ودعا الأستاذ الجامعي الدكتور العربي بوعمامة، إلى ضرورة استحداث مؤسسات تهتم بالسياحة الدينية وترتقي بمكانتها في المجتمع، مؤكدا على أن التظاهرات التي تنظمها العديد من الزوايا والمساجد العتيقة تستحق فعلا تسليط الضوء عليها أكاديميا وإعلاميا. ونوه الأستاذ الدكتور العربي بوعمامة بما تقوم به العديد من “الزوايا” في دعم توجه مهم يحفظ المرجعية الدينية ويؤسس لثراء في المشهد والمرجع، مؤكدا على أن دعم هذا المنتوج إلى ما هو تنموي هادف واستراتيجي يقع على عاتق السلطات التي لا يجب أن لا تهتم بسياحة المواسم، بل عليها الاتجاه إلى الاستثمار في العمق، الذي تؤسس له السياحة الدينية بما تعنيه من كيان ورموز

 

لتبقى مستغانم قبلة للسياحة الديني….

وتبقى مستغانم بما تحويه من معالم دينية أصيلة تحتاج فعلا لترميم وإعادة اعتبار لها، كالمساجد العتيقة الموجودة بمنطقة “قصبة مستغانم”، التي لم تستفد من عملية تهيئة وترميم منذ سنوات. كما مازال “مسجد بدر” والمكتبة الموجودة بوسط مدينة مستغانم تنتظر التفاتة السلطات المحلية هناك لترميم هذا المعلم، وإن احتوت مدينة مستغانم على العشرات من المعالم الدينية التي يمكن أن تكون قبلة للسياحة الدينية إلا أن المنشود، وكما أشار العديد من المتحدثين في الربورتاج، هو العمل على ترقية هذه السياحة التي تعزز من المرجعية الدينية وتستقطب الوافدين إلى البلاد من مختلف ربوع العالم لاكتشاف ثراء تاريخ الجزائر ومدنها العتيقة، فهذه المعالم الموجودة بمدينة من مدن الوطن هي مستغانم، تختزن أرشيفا تاريخيا ودينيا في غاية الأهمية يمكن أن يستثمر في قيمه ومعانيه على الصعيد المعرفي والتنموي ..

مقالات متشابهة