18 أبريل، 2021
الحوار الجزائرية
المجلة

تصفية يحياوي خطيئة دفع النظام ثمنها غاليا

محمد الصالح يحياوي في شراك محمد يعقوبي

يستحق محمد يعقوبي تحية خاصة على نجاحه في انتزاع المجاهد الكبير محمد الصالح يحياوي من قبر النسيان الذي دُفن فيه منذ عقود، وليس في هذا القول أي مبالغة، فقد كان هناك كثيرون يتصورون أن العقيد مدير الأكاديمية العسكرية، والذي اختاره الرئيس الراحل هواري بومدين لقيادة حزب جبهة التحرير الوطني في صحوته الجديدة، إثر إقرار الميثاق الوطني في السبعينات، قد فارق الحياة منذ سنوات وسنوات.

وواقع الأمر أن يعقوبي استكمل هنا عملا شجاعا قام به كل من مصطفى هميسي والبشير حمادي في نهاية الثمانينات، لانتزاع يحياوي من مؤامرة الصمت التي طالته، وربما كان الحوار- القنبلة الذي نشر آنذاك في صحيفة الشعب على لسانه خطوة على طريق المؤتمر الاستثنائي، الذي استعادت بفضله نخبة قيادية من رجالات جبهة التحرير الوطني وجودها المؤثر على الساحة السياسية، وهو ما يفرض عليّ هنا أن أسجل رجولة عبد الحميد مهري، الذي نجح في إقناع الرئيس الشاذلي بن جديد برعاية المؤتمر.

ولقد قلت منذ عدة أسابيع إنني أنتظر أن أقرأ لبعض من عرفوا يحياوي أو عملوا إلى جانبه شهادات تبرز أفضال الرجل، وهي كثيرة، وأحاول هنا أن أشير لبعضها، وفاء لمناضل وصديق، بل وفاء لتاريخنا الثري بأمجاد الرجال، واستنفارا لمن يعرفون ولكنهم يتكاسلون، وغلقا لأفواه من لا يعرفون ولكنهم يهرفون.

خرج يحياوي من معركة التحرير الوطني بأعظم وسام يناله مجاهد حيّ، وهو الجروح التي ما يزال يعاني اليوم من بعض آثارها، وتولى قبل التصحيح الثوري في جوان 1965 مسؤولية المنظمات الجماهيرية في حزب جبهة التحرير الوطني، وكان مكتبه في مبنى الحزب بساحة الأمير عبد القادر نقطة التقاء عديد المناضلين والمجاهدين.

وأذكر له من أفضاله وقفته والعقيد عباس معي عندما رفضتْ وزارة الصحة الاعتراف بشهادتي الطبية التي حصلت عليها من القاهرة في 1963، وقال لي المسؤول الطبي في العاصمة يومها، إنه لا يمكن تعيين طبيب لم يحصل إلا على “البكالوريا”، وحاولت عبثا إفهامه بأن كل الشهادات العلمية الجامعية في المشرق تحمل اسم “بكالوريوس”، وهي شيء غير البكالوريا، ولم ينقذني آنذاك إلا اتجاهي للقوات المسلحة حيث التحقت بالبحرية، وعرفت فيما بعد أنه كان لوزير الدفاع آنذاك دور في ذلك.

ووضع يحياوي فيما بعد كل ثقله معي لانتزاع حقي في فتح عيادة خاصة، بعد خروجي من البحرية، وانتقم مني نفس المسؤول الطبي بأن حرمني من الحصول على عيادة من العيادات الشاغرة، التي وزعت على “جماعته”، بينما اضطررت أنا إلى استعمال مسكني الشخصي في شارع أول نوفمبر كعيادة، أعالج فيها المرضى نهارا، وأنام ليلا.

وتواصلت العلاقة مع يحياوي، حيث كنت أدعى دائما لحفلات الكلية، وكانت النقاشات دائما فرصة جمعتنا مع رفقاء آخرين، من بينهم الأخ المدني حواس، وكانت جهود محمد الصالح في مجال التعريب إنجازات متواصلة، خصوصا على مستوى أكاديمية شرشال، حيث كان القوة الدافعة إلى جانب العقيد عباس إلى حين وفاته، وواصل العمل بعدها بنشاط لا يكل ولا يملّ، وكان ممن لا يتوانون على مواجهة الرئيس بو مدين بآرائه في مختلف القضايا، وخصوصا في لقاءاته المنفردة معه.

وعندما اتجه الرئيس الراحل هواري بو مدين لاستدعائي للعمل إلى جانبه في رئاسة الجمهورية، راح -كعادته في كل القضايا يستشير بعض من يثق في آرائهم، وكانت شهادة مدير الأكاديمية العسكرية آنذاك شهادة أعتز بها، وسبقتها شهادة مكتوبة قدم فيها العقيد كتابي “انطباعات”، الذي صدر في 1971، ووضعتها، اعتزازا، على غلاف الطبعة الجديدة التي أصدرتها في العام الماضي.

ولأن الرئيس بومدين كان يرى أهمية التكامل السياسي والنضالي بين القوات المسلحة والمؤسسة الحزبية، وبعد إعداد الوثيقة العقائدية للحزب، اختار المجاهد والقائد العسكري الذي تخرجت على يديه دفعات ودفعات من ضباط الجيش ليكون المسؤول الذي يُعدّ المؤتمر السياسي الحاسم في تاريخ البلاد، أي مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني، والذي كانت سنة 1978 هي المقررة لاحتضانه.

لكن الأيام لم تمهل الرئيس بومدين، الذي انتقل إلى رحمة الله مع نهاية العام، وانتصرت إرادة يحياوي في أن يكون اختيار الرئيس الجديد من مهام مؤتمر الحزب، وليس من مهام مؤتمر الإطارات الذي كان البعض يدعو له، وكانت اللجنة المركزية الجديدة تجمعا ضم مناضلين تعددت اتجاهاتهم في إطار احترام مبادئ جبهة التحرير الوطني، وكان بصمات الرئيس بومدين واضحة في تعدد الاتجاهات، التي كان متوقعا أن تتحول شيئا فشيئا إلى أجنحة، ثم إلى تعددية حزبية حقيقية عبر تطور طبيعي يصبح فيه كل حزب تعبيرا عن توجه سياسي محدد وواقع اقتصادي اجتماعي فعلي، وليس مجرد تجمع نخبوي لا يمثل إلا قيادة ليس لها جذور شعبية.

وأصبح يحياوي الرجل الثاني في الجزائر، وكان هو من دعانا إلى الاصطفاف وراء الشاذلي بن جديد، لكن ذلك لم يستمر طويلا، إذ تم تحييده كمسؤول عن الحزب في بداية الثمانينات، إثر الدورة الثالثة للجنة المركزية، وأنا ممن يرون أن ذلك كان بداية انزلاق النظام وانهيار حزب جبهة التحرير الوطني، الذي فقد مضمونه الديموقراطي الذي عُرِف به وهو وجود الرأي والرأي الآخر، وتواصل ذلك في التصفيات التي عرفها في المؤتمر الخامس في ديسمبر 1983، وتم فيها التخلص نهائيا من يحياوي وعبد العزيز بوتفليقة وعبد السلام بلعيد وآخرين في مستويات أقل أهمية، من بينهم العبد الضعيف.

وتعرض يحياوي لحملة من الأكاذيب الموجهة، كان منها اتهامات بعلاقات خاصة مع العقيد معمر القذافي، والذي كان يصر دائما بمجرد وصوله إلى الجزائر أن يطلب لقاء محمد الصالح، الذي كان يتضايق من الأمر، وكاد يوما أن يفقد أعصابه في قصر الشعب عندما تأخر الرئيس الليبي، كعادته، في الخروج من غرفته والنزول إلى حيث كنا في انتظاره في القاعة الكبرى للقصر.

ولقد سمعت بنفسي مسؤولا يتهم يحياوي لدي الرئيس الشاذلي بأنه يستعمل سيارة مصفحة في تحركاته، وقلت يومها للرئيس أنني أستقبل يحياوي في بيتي ولم أره يوما في سيارة مصفحة.

والحياة الثرية للعقيد يحياوي تحتاج صفحات وصفحات، وهناك الكثير مما يمكن أن يُقال عن تجربته الحزبية، وهذا دور من كانوا أقرب الناس له في قصر زيروت يوسف.

لكن تصفية يحياوي كانت خطيئة سيدفع النظام ثمنها غاليا فيما بعد، لأنه كان بالنسبة لرئيس الجمهوريةمرآة صافية يرى فيها حقائق الأوضاع، وعندما تواصلت التصفيات استكملت عزلة الرئيس وتأكدت سيطرة الاتجاه الواحد، وهو ما أتصور أنه كان انزلاقا نحو أحداث أكتوبر.

وقد كانت ليحياوي أخطاؤه، فهو كبشر اجتهد وأصاب واجتهد وخطأ، لكن بعض الأخطاء التي نسبت إليه كانت مفبركة أحيانا، وقد تناولتُ بعض ذلك في كتابي “أنا وهو وهم” الذي صدر في حياة الرئيس الشاذلي، وأرسلت به إلى الرئيس حال صدوره، وقال لي عبد العزيز بو باكير إنه كان سعيدا به.

وأقول ليحياوي بمنتهى الأخوة: تذكّر ما قاله ماو تسي تونغ لجميلة بوحيرد عندما سمع منها أنها لم تسجل حياتها في نص مكتوب، قال لها: إن لم تفعلي سيأتي يومٌ يتهمك فيه خونة بأنك كنت خائنة.

اكتب يا رجل، سجل تجربتك، وإن لزم الأمر، لا تنشرها إلا عندما ترى الوقت مناسبا لذلك، فالأيام تجري والقدر لا ينتظر.

تحية ليعقوبي وقبله لمصطفى هميسي والمرحوم البشير حمادي، ويبقى أن على الشرفاء ألا ينتظروا وفاة الشرفاء ليكتبوا عنهم شهادات هي من حق الأمة أولا وقبل كل شيء، لأن التأبين بعد الوفاة لا مصداقية له، وعباراته، مهما كان جمالها وبلاغتها، هشيم تذروه الرياح، وقلّ من يوليها الاهتمام.

أطال الله عمر سي محمد الصالح، ولا قرّت أعين الجبناء.

مقالات متشابهة