13 نوفمبر، 2019
الحوار الجزائرية
أراء مساهمات

المُستقبل و”القَبليّة الجَديدة”

استخدم ابن خلدون مُصطلح “إصْلاح السّابلة” لكونها فاسدة، والكلمتان “الإصلاح”و “الفسَاد” مفهومان قرآنيان يتعلقان بمفهوم “الاستخلاف” وبالسّنن الكونية، لكن مع التطورات الحاصلة اليوم نستدعي مثل هذه المفاهيم لرؤية المستقبل وليس البقاء في في أزمنة “القَبليّة الجديدة” التي بتعبير بعض الباحثين تعيدنا إلى “المجتمع الصّفري” الذي يتغذّى من العداء والكراهية بسبب الهُوية، وما تعانيه بعض المجتمعات العربية اليوم يشبه ماتعانيه أيضا بعض الدول المتقدمة من آثار “الليبرالية الفاسدة” التي تحولت الى استبداد أقلية ثريّة تعتمد إيديولوجية شعبوية ومنها “اليمين الجديد” الذي يعطي تأويلا منحرفا للدين المسيحي ولمفاهيم نشأت في عصر الدول القومية مثل ألفاظ : “الأمة”، “الشعب”.. الخ، وبالتالي الفساد المالي والسياسي يمكن التقليل منه أو التغلّب عليه لكن “الفساد في الخطاب” قد يحتاح إلى زمن أطول وإصلاح أعمق وتجديد علمي ونُخب حرّة، ومن أكثر الأشكال فسادا في القول: العودة إلى مربّع الهوية والاتكاء على الشعبوية وتقسيم الشعب إلى خيِّرين وأشرار على أساس خِلاف مذهبي أو سياسي أو مصلحي، ويَحضُر “الفساد في القول” حين يغيب “العقل ورؤية المستقبل” ويكون “العجز في تغيير الواقع”، هذا معنى “فساد السّابلة” وكلمة السَّابلة مشتقة من “السبيل والسّبل بمعنى الطّريق” على اعتبار أن مرحلة ابن خلدون التاريخية كانت “الحِرابة” المظهر الارهابي في استيلاء مجموعات مسلحة تأخذ الغُرم والاتاوات في غياب “الدّولة المركزية”، من هنا كان هاجس الفقهاء والمصلحين كيف يعيدون الأمن إلى مجتمعاتهم بالقضاء على فسادَيْن: فساد من يريد أن يكون مكان السلطة المركزية بغير طرق مشروعة ومن يفتي لهم بجواز ذلك، والفتوى هنا قد تكون دينية أو من محامين وحقوقيين وسياسيين مهدّدة مصالحهم وليس مصلحة الأمة، إن الفاسدين يمكن سجنهم أو عزلهم لكن “فَساد القول والذهنيات” أو بتعبير جامع “الفساد السياسي” وسيلة محاربته هي “العدالة” و”الديمقراطية” وهما يحتاجان بيئة سليمة في التفكير والعمل السياسي الذي يجعل من المستقبل هو الرّهان والمحرِّر من “قَبليّة الهُوية” والتناحر حول التاريخ واللغة والدين والانتماء بتأويلات خاطئة وكاذبة، ومنذ بداية الحراك الشعبي كان للقبلية الجديد الحضور لأنها تشكل المحرّك الأساسي للحركات الاحتحاجية وللسلطة في نفس الوقت بعد زوال المتفق عليه، لأن المختَلف حوله هو “طبيعة السلطة”، ولكون “عقل الدَّولة” غائب أو مُغيب يكون المستند “الهوية” بشعارات وأقوال تكذب على التاريخ وتخالف الحقيقة وتشوه المفاهيم، وهذا من أمراض السلطة التي انتقلت عدواها للمعارضة والشعب.
إنّ ” إصلاح السّابلة” شَرطُه زوال المفسدين مالياً ودينيا وفكريا وسياسيا، لأن الكلّ يتغذّى من بعضه، وأكبر فئة اليوم تَحول دون ذلك “الإنتهازيون” الذين يحاولون أن يحلّوا محلّ الوجوه القديمة، وسيجدون طبعا إعلاما هشاً مساحة لهرفهم وكذبهم، وإدارة لها حنين للماضي، وخارجاً يريد الحفاظ على مصالحه، وسلطة آيلة للسقوط من أجل أن تجددّ جلدها.

مقالات متشابهة